غير هذا الطريق في ظرفٍ معيّن وأحوالٍ معيّنة .. فإن هذا جائزٌ إن شاء الله - سبحانه وتعالى -، كما هو اختيار بعضِ العلماء، ويكون حينئذٍ جهادا في سبيل الله مرادًا به إعلاءُ كلمة الله.
وانظر في هذا ما جمعه الشيخ «أبو قتادة» من أقوال العلماء في رسالته «جؤنة المطيبين» في فصل: «تحقيق حديث قتال الزبير - رضي الله عنه - مع النجاشي» ؛ فإنه ساق أقوالًا مهمة وفتاوى للعلماء في المسألة ..
وهذا جزء يسيرٌ مما نقله أبو قتادة فرّج الله عنه: «وفي «المدونة» لسحنون المالكي: «قال مالك في الأسارى يكونون في بلاد المشركين يستعين بهم الملك على أن يقاتلوا عدوًا له ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين. قال: لا أرى أن يقاتلوا على هذا، ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك؛ وإنما يقاتَلَ الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا في ذلك دماءهم في ذلك فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمًا على هذا» [1/ 391] .
وفي «مسائل الإمام أحمد» لأبي داود: «قال الإمام أحمد: لو قال ملِكُ الكفار للأسرى المسلمين: اخرجوا فقاتلوا أعطيكم كذا وكذا، فلا يحل أن يقاتلوا معه، وإن قال: أخلي عنكم، فلا بأس بذلك رجاء أن ينجوا، وسئل: إن قال لهم ملك الكفار: أعطيكم وأحسِنُ إليكم، هل يقاتلون معه؟ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (1) ، لا أدري» [ص 248 - 249] .
يقول أبو قتادة: رحم الله أهل العلم والتقوى كيف كانوا على بصيرة من دينهم، وكيف كانت تقواهم، فهذا الإمام أحمد يقول في مسألة: «لا أدري» ، ولو عرضت اليوم على غِرّ صغير جاهل لما حك ذقنه قليلا قبل أن يخوض فيها ويقول فيها ما يرى، ثم لن يتردد في تبديع مخالفه ولعنه» (2) اهـ.
وانظر للفائدة: كيف فرّق الإمام أحمد بين قتالهم معهم رجاءَ أن ينجوا، وبين قتالهم معهم من أجل نيلِ ما وعدهم الملِكُ الكافر به بقوله: «أعطيكم وأحسِنُ إليكم» ؛ فأجاز الأول، وتردد في الثاني خشية أن يكون قتالا لا في سبيل الله بل لمجرد الدنيا.
فهذا بعضُ كلام الأئمة في هذه المسألة، فأين الكفرُ وموالاةُ الكافرين من ذلك؟!! وإنما الكلامُ في الجواز من عدمه، وقد تردد بعضُ الأئمة في بعض الصور.!
فالله المستعان، والله أعلم.
(1) صحيح البخاري (123، 2810، 3126، 7458) ، صحيح مسلم (1904) .
(2) جؤنة المطيبين (ص 56) .