فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 1908

الْكَافِرِينَ [المائدة: 54] ، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [النور] .

جيم: وأن المقصود بالرفق والرحمة والسماحة واللطف والتيسير المحمود والممدوح في الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ هو ما كان في محله اللائق به ولأهله.

دال: وكذلك العنف المذموم والشدة، المقصود بها ما كان في غير محله ولغير مستحقه وأهله، وإلا فإن العنفَ والشدة في محلها محمودةٌ مطلوبة بلا ريبٍ، كما تدل عليه الآيات المتقدمة مثلا، وغيرُها.

هاء: أنه ينبغي أن يكون الرفق هو الأصلَ وهو الغالب على الإنسان، ويكون العنف هو الاستثناء وهو الأقل وهو الذي يقدّر بقدره.

واو: وأن يكون الرفق هو الأسبق وبه تكون المبادرة، إلا أن يستوجب الحالُ عكسَه؛ جاء في الحديث في الصحيحين: (إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي سبقت غضبي؛ فهو مكتوب عنده فوق العرش) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلمٍ: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي) (1) .

ولا يقال: هذا مبنيّ على التشبه بأفعال الله تعالى وصفاته، أو ما يسميه بعض أهل العلم الاقتداء بفعل الله، فإن هذا محل فيه تفصيل ويحتاج إلى مزيد تحرير، وليس الاعتماد هنا على مجرد ذلك، وإنما العمدة هنا أننا عرفنا أن الله - عز وجل - يحب من عبده ذلك، كما تدل عليه الدلائلُ الكثيرة.

قال الغزالي - رحمه الله - في «الإحياء» : «اعلم أن الرفقَ محمود، ويضاده العنفُ والحدة، والعنفُ نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة، وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاؤه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت؛ فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسنُ الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال، ولأجل هذا أثنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الرفق وبالغ فيه .. -ثم ذكر طرفًا من الأحاديث والآثار، وقال:- وقال سفيان لأصحابه: «تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمورَ في مواضعها؛ الشدة في مواضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه» ؛ وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق كما قيل:

(1) صحيح البخاري (3194) ، صحيح مسلم (2751) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت