فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1908

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى (1)

فالمحمودُ وسط بين العنف واللين، كما في سائر الأخلاق، ولكن لما كانت الطباعُ إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر، فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف، وإن كان العنف في محله حسنًا كما أن الرفق في محله حسن، فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحقُ الهوى وهو ألذ من الزبد بالشهد وهكذا.

وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: «روي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإن الفهم في الخير زيادة رشدٍ، وإن الرشيد من رشد عن العجلة، وإن الخائبَ من خاب عن الأناة، وإن المتثبّت مصيبٌ أو كاد أن يكون مصيبًا، وإن العجِل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئًا، وإن من لا ينفعه الرفقُ يضره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي» . وعن أبي عون الأنصاري قال: «ما تكلم الناس بكلمة صعبةٍ إلا وإلى جانبها كلمة ألينُ منها تجري مجراها» . وقال أبو حمزة الكوفي: «لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه، فإن مع كل إنسان شيطانًا، واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئًا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه» . وقال الحسن: «المؤمنُ وقاف متأنٍ وليس كحاطب ليل» .. فهذا ثناء أهل العلم على الرفق، وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور، والحاجة إلى العنفِ قد تقع ولكن على الندور، وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف فيعطي كل أمر حقه فإن كان قاصر البصيرة أو أشكل عليه حكم واقعةٍ من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق فإن النجح معه في الأكثر» (2) ، انتهى كلامه - رحمه الله -.

زاي: أن العنف المذموم والفحش قرينان، ولهذا جاء في أحد ألفاظ البخاري في حديث عائشة - رضي الله عنها - المتقدم: ( .. يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش) ، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟، قال: (أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ) ، وفي لفظٍ لمسلمٍ: (يا عائشة لا تكوني فاحشة) ، فقالت: أما سمعت ما قالوا؟، فقال: (أو ليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم) ، وفي لفظ آخر له: ففطنت بهم عائشة - رضي الله عنها -، فسبتهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مهْ يا عائشة، فإن الله لا يحب الفُحْشَ ولا التفحش) (3) ، وفي لفظ ابن حبان في الحديث المتقدم: ( .. ولا كان الفحشُ في

(1) قاله: أبو الطيب المتنبي، كما في: التمثيل والمحاضرة (ص 111) .

(2) إحياء علوم الدين (3/ 184 - 186) .

(3) صحيح البخاري (6030، 6401) ، صحيح مسلم (2165) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت