وصغَّرهم وقمعَهم وخذَلهم وتبرأ منهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } [التوبة] ، وطبع على قلوبهم وخبَّث سرائرَهم وضمائرَهم؛ فنهى عن ائتمانهم والثقة بهم، لعداوتهم للمسلمين وغشّهم وبغضائهم، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [آل عمران] ، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) } [النساء] » (1) .
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] ، وقال في المنافقين إخوانهم الأخفياء: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) } [التوبة] ، ومع ذلك فمن كرم الله وسماحة شريعته المطهرة وعلوّها فإن الشريعة الإسلامية تحترمُ إنسانيته بالقدر المناسب، إذ فيها أن الإنسان مكرّمٌ من حيث هو إنسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء] ، ويظهر ذلك في آداب معاملته في القتل والقتال والأسر، من نحو إحسان القتلة والذِّبحةِ، وعدم ضربِ الوجه اختيارًا في حال القدرة عليه، وترك السب والشتم والتقبيح «الإنساني» ، وحُسْنِ معاملة الأسير، وهذا له فقهه وآدابه، وستأتي الإشارة إليه في الأمثلة، وما بعد الموت، من الدفن بمواراة سوأتِه في التراب وستره في الأرض، واحترام جثته وإجلالِها حالِ الموت وعدم التمثيل بها.
ومع عظيم جُرم الكافر .. فإن الله - عز وجل - كثيرًا ما يستأني بهم حلما منه - عز وجل - ولطفًا، فإنه - سبحانه وتعالى - أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأخذ على نفسه ألا يعذِّبَ إلا من قامت عليه الحجة منهم ببعثة الرسل فبلغته آياتُ الله السمعية وأخباره وأوامره ونواهيه القولية التي بلَّغها الأنبياءُ المرسَلون عليهم الصلاة والسلام كما قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء] ، وأخَّر أعمارَ الكثيرين منهم، وأعطاهم الفرصةَ بعد الفرصةِ ليؤوبوا إليه، صبرًا منه عليهم - سبحانه وتعالى - وإعذارًا إليهم لأنه يحب العذر، وهو مظهَرٌ من مظاهر عظيم كرمه وحِلمه وكمال قدرته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أعذر الله إلى امرئٍ أخَّر أجلَهُ حتى بلَّغه
(1) أحكام أهل الذمة لابن القيم (3/ 231، 232) . [المؤلف، دون العزو]