طبيعية لهذا الكائن الإنساني أن يطمئِنَ نفسه دائمًا بالدعاوى الغرورة، وتلاوُم اجتماعي لا بد أن ينشأ عنه زخارفُ لا تغني من الحق شيئًا، وفتاتٌ من الحق والحقيقة لا تساوي شيئا بإزاءِ ما يقابلها من الضلال والانحراف -عن سبيل الله الحق - والكفر والإلحاد والفساد.
وقد اقتبسوا - منكِرين مستكبرين غيرَ معترفين- قبسًا من أشعة أنوار رسالات الله، ولا سيما رسالة الإسلام ونبيّ الإسلام الخاتم محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، فأخذوا بعض ما يوافق أهواءهم واستناروا في الفكر والبحث وصناعة العقل وأصول المعرفة والنظر والقانون والإدارة والتدبير والأخذ بالأسباب .. ! وتفرغوا لهذه الدنيا، وهم أهلُها وعبيدُها، وهي قصارى غاياتهم ومنتهى إراداتهم، {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم] فكانت نهضتهم الدنيوية الصناعية والتقنية، وكانت الحضارة الخرقاء الجوفاء المزيّفة، وكانت الحريات المزعومة، ودعاوى العدالة والحقوق للإنسان والحيوان وغيرها، وشعارات الإنسانية والأخلاقية، ونظام الحكم الخبيث الخادع الذي غروا به الكثيرين من غوغاء البشرية (الديمقراطية) وكثير من أنظمة الاجتماع والاقتصاد وأمثال هذه القيم .. فكانوا فتنة على البشرية، وبلاءً؛ في غيبةٍ مؤقتةٍ لأهل الحق الأخيار أتباع دين الله ورسالاته وعبادِه الصالحين العابدين له حقا .. !
وإلا فما في حضارتهم شيءٌ حَسَنٌ إلا وفي هُدى الله الذي جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم- خيرٌ منه وأحسن وأبرك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما دار الزمان دورته، كما هي سنة الله - سبحانه وتعالى - وعادته في خلقه، ولاحت بوارق وعدِ الله لعباده الصالحين، قيَّض الله من هذه الأمة الإسلامية، من أهل التوحيد (عبادة الله - سبحانه وتعالى - وحده لا شريك له) ، أهل التقوى والأمانة والعفافِ والصدق والعزم والغيرة والتضحية، مَن نهضوا لتزييف هذه الحضارة الفاجرة وتحطيمها وإزالتها عن كرسي قيادة البشرية، ونوّر قلوبهم بمعرفته والإيمان به وبوعدِه الحق، وهداهم إلى الطريق الصحيح، فقاموا مشمّرين عن ساعد الجدّ، وتجشّموا -على بصيرةٍ- قسوةَ الغربةِ والقلةِ والضعف ومرارةَ اللَّوْمِ، مستعينين بربهم ومولاهم - عز وجل -، ومعهم جمهورٌ مبارَكٌ من أمتهم الخيّرة، يجاهدون هذه الدولة الكافرة الفاجرة التي هي رأسُ حربة أعداء الله وقلبُ هذه الحضارة الخبيثة الضالة في هذا الوقت.
فتصايح دهاقنتهم وأحبارهم من كل صوبٍ: أن هؤلاء «الإرهابيين» يريدون تغيير قيمنا ونمطَ عيشنا، وصدقَ الكاذبون! والله إننا لنريد أن نغير قيمكم الفاسدة وننسفها نسفًا، والأمرُ لله - عز وجل - وحده أولا وآخرًا على كل حال .. وكان أول الأمر أن استهانت بهم هذه الدولة الفاجرة، كما هي العادة في