التاريخ أيضا، مع أنها جرَّت الجيوش الجرارة لحربهم وجنّدت لها من اللقطاء والأنذال أجنادًا كثيرة خوفًا وطمعًا، إلا أنها كانت تتظاهر بشيء من الفضيلة والنزاهةِ والأخلاق.
فلما حميت رحى الحرب وطال عمرها واستحرت فيهم أهوالها وذاقوا نماذج متكررة مما كانوا أذاقوه أمتنا وكثيرًا من الأمم الأخرى من طعوم الموت والقتل والجراح والحرمان والمآسي، ونزفت مع دمائهم خزائنُ أموالهم، واستشعروا المهانة وشارفوا اليأس، كشفوا عن سوءاتهم وأماطوا براقع الخُدَع عن وجوههم الكالحة، وآلوا إلى حقيقة حضارتهم المنتنة، يتخبّطون تخبّط المصروع بين دواعي نفوسهم الخبيثة الشريرة ودعاوي «تحضرهم وإنسانيتهم» الكاذبة وما يقتضيه منصبهم في العالم من التمظهر بالفضائل، ولجؤوا مؤخرًا إلى ممارسة القذارة التي هي شأنهم وهم أهلها.!
مع أنهم مارسوا هذه القذارة في أفغانستان في أول هذه الحرب، إلا أنهم عادوا يتمظهرون بالتحضر، حتى عادوا الآن من جديد يمارسون حربًا قذرةً؛ يقصدون المدنيين الضعفاء الذين لا شأن لهم بالحرب، ويقصفون البيوت على ساكنيها لمجرد التهمة والظنة والشبهة، ويقتلون مع واحدٍ مظنونٍ الكثيرَ من الضعفاء من النساء والأطفال والشيوخ؛ بل يتقصّدون المدنيين في أعراسهم وعزاءاتهم ومدارسهم؛ فيقتلون العشرات، ويجرحون العشرات، تنفيرًا للناس وإرعابًا وإرهابًا، في قرى أفغانستان وفي بلدات وزيرستان، وأكثر ذلك لا تطاله وسائل الإعلام العالمية، وينجح المجرمون الأفاكون في إخفائه.
فمن هرات وهلمند ثم قندهار إلى نورستان وكُنَر وجلال آباد وسروبي وكابل ثم خوست وغيرها .. قصفٌ للمنازل والتجمعات بعضها أعراسٌ وبعضها عزاءاتٌ، ولمدارس ومساجد في بعض الأحيان، تخويفًا للناس وإرهاقًا، مما سمع العالم ببعضه، وإنما يسمع الناس بالحوادث الأكبر والأقرب إلى مراكز المدن ووسائل الإعلام، أما ما دونها مما يمارسه الأمريكان من قذارةٍ ووحشية يوميًا فلا يكاد يدركه سمعُ العالَم وبصرهُ! لأن أعداء الله يمارسون عملية تعتيم شديدة، وفي مناطق الحدود والقبائل البشتونية قصفوا مدارس دينية عدة مراتٍ، في باجاور وغيرها، قتلوا فيها تلاميذ بالعشرات عامّتهم ممن لم يبلغوا، وقصفوا في أواخر شهر شوال (يوافق أواخر أكتوبر) من هذا العام بيتًا كان فيه عزاءٌ، وقصفوا عزاءً آخر قبله في بلدة ميران شاه عاصمة إقليم وزيرستان الشمالي، وقصفوا سيارة في مدة مقاربة لمجرد الاشتباه، وقصفوا بيوتًا عديدة لم يكن فيها في الغالب إلا الأطفال والنساء وبعض الرجال من عوامّ الشعب، وتوغّلوا -قادمين من أفغانستان- متسللين إلى قرية جبلية داخل حدود باكستان في منطقة وزيرستان الجنوبية مقابلة لمنطقة أرغون الأفغانية قبل رمضان الماضي فحاصروا بيتًا لبعض