فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) [القصص] إذا كثُرَ قائلُو ذلك وفشا هذا الاعتقاد في الناس، وصدّقتْه أفعالُ هذا الإنسان، ولم يُرَ منه إقلاعٌ عن خطإ ولا شفقةٌ ولا رحمةٌ ولا إحسانٌ.!
كيف وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكرمُ الخلق على الله يقول الله - عز وجل - له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
لا غروَ أنه على قيادات المجاهدين أن يعلّموا أتباعهم ويربّوهم -وقبل ذلك أن يكونوا هم متصفين بهذا- يربّوهم على أن يكونوا مشفقين على الناس رحماءَ بهم ميسّرين عليهم، صابرين على نقصهم وأخطائهم وما لديهم من خلل، ساعين في إصلاحهم بالهوينى والرفق وبالتدريج، غيرَ مسارعين في عقوبتهم، بلهَ القتلَ والانتقامَ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يبعث بعثًا أو يؤمّر أميرًا على سريّةٍ أو جيش إلا كان من وصيته -كما جاء ذلك في أحاديث متكاثرة-: (يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا) (1) ؛ فهل تدبّرنا ذلك وعرفنا فقهه وعملنا به؟!
ومنها: أنه يجب علينا صيانة المجاهدين من أن يتطرق إليهم الغلوّ في الدين، وخاصة في مسألة الحكم على الناس بالكفر (مسألة التكفير) فإن الغلوّ فيها مصيبةٌ عظيمة، وهي من أخبث الأدواء التي يمكن أن يتعرض لها المجاهدون ويُبتَلوا بها، وفي التجارب من ذلك شيءٌ يذكر للمعتبرين .. والغلوّ بعامةٍ هو داءٌ فتاكٌ ومرض خطيرٌ في كل الدين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلوّ في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين) رواه أحمد والنسائي وغيرهما (2) ، وقال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا؛ رواه مسلم (3) . فهذا في الغلوّ في الدين مطلقًا، فإذا كان الغلوّ وقعَ في «الحكم بتكفير المسلمين» والتجرءِ على ذلك والاستهانة بخطره، كان أشدَّ فتكًا وأعظمَ ضررًا وإهلاكًا .. أعاذنا الله وإياكم وجميع إخواننا منه.
وقد بدأنا نسمع من بعض المجاهدين مَن يتجرأ على تكفير مجاهدين آخرين أو تكفير العوامّ كما تقدم، فعلينا أن نحترز من ذلك جدًا ونسعى بكل قوة في تربية المجاهدين على المنهج الصحيح في ذلك، وإني قد جربتُ الأمور، وأدلكم على جُمَلةٍ من ذلك نافعة بإذن الله، وهي:
· تربية إخواننا على التركيز على عيوبِ النفس والانشغال بإصلاحها وتزكية النفسِ، والبُعد عن النظر في عيوب الناس، وتربيتهم على طلب العافية وطلب السلامة في الدين، وتعظيم خطر الفتيا في
(1) صحيح البخاري (69) ، وأيضا: صحيح البخاري (6125) ، صحيح مسلم (1734) لكن بلفظ: ( .. وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا) .
(2) مسند أحمد (3248) وصحح إسناده الأرنؤوط وأحمد شاكر، سنن النسائي (3075) ، سنن ابن ماجه (3029) وصححه الألباني.
(3) صحيح مسلم (2670) ، مسند أحمد (3655) ، سنن أبي داود (4680) .