الدين بغير علمٍ، ومن أشدّها الإقدامُ على تكفير مسلمٍ بغير علمٍ مؤهِّلٍ لذلك وبدون موجِبٍ، وأن يكلوا ذلك إلى العلماء الفقهاء المتأهّلين المعروفين بحُسن الديانة والورع، فيُمنَع العوامّ (غير العلماء) من الخوض في هذه المسائل مطلقًا، وعلى الأمراء أن يغضبوا إذا سمعوا عوامّ المجاهدين يتكلمون في تكفير فلان أو فلانٍ من الناس، ممن تكفيرُهم اجتهاديٌّ، ويمنعوهم من الكلام فيه.
فإذا فعلنا ذلك فأبشروا بالنجاح إن شاء الله.
· لقنوا المجاهدين معنى الحديث المرويّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن شغله عيبُهُ عن عيوب الناس) قال ابن حجر في بلوغ المرام: أخرجه البزار بسندٍ حسن (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (المسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري ومسلمٌ (2) ، وقوله: (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله) (3) ، (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) (4) ، وحديث معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه - قال: (غزوتُ مع نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - غزوةَ كذا وكذا فضيق الناسُ المنازلَ وقطعوا الطريقَ، فبعث نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي في الناس أنَّ مَنْ ضيّقَ منزلًا أو قَطَعَ طريقا فلا جهادَ له) رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في بعض المصادر ( ... أو آذى مؤمنًا فلا جهادَ له) (5) .
ومنها: أنه يجب على قيادات المجاهدين أن يعملوا جاهدين جادّين مثابرين على صيانةِ أنفسهم وأتباعهم من سائر الآفات والأمراض التي تعرِض لهم، وهي كثيرةٌ ومنها: العُجبُ والغرورُ والكبرُ والتعالي على الخلق وظلمهم؛ فإن هذه من الأمراض المفسدة للإيمان والموجبة للهلاك والعياذ بالله.
والسبب أن المجاهد إن لم يكن متدرّعًا بفقه النفس والمعارف النافعة فإنه مع طول الطريق ووحشته ومع ما يمارسُهُ ويُعالجُهُ من أمور القوة والغلبةِ والظهور، ومع ما قد يلاقيه من خذلان الناسِ له ممن يُفتَرَضُ أن يعينوه من أبناء الأمة، ومع ما يتعرض له من كثرةِ الخصومات والعداوات المناوأة بسبب سيره في طريق الجهادِ فإنه يتطرّق إليه هذه الأمراضُ ويسهّل الشيطانُ وُلوجَها عليه بأنواع الحيلِ والجدلِ فيتلقّفها ويجدِ فيها بعض السلوى عن غُربته وقلة حيلته، فيقع في شرٍّ عظيم، فينجح الشيطان
(1) بلوغ المرام (1524) ، لكن ضعف كل أسانيده وطرقه العراقي في: تخريج الإحياء (ص 1041) ، وقال الألباني في: ضعيف الجامع الصغير (3644) : «ضعيف جدا» ، وقال مثله الحويني في: النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة (1/ 74) .
(2) صحيح البخاري (11، 6806) ، صحيح مسلم (40) .
(3) سنن الترمذي (1612) وصححه الألباني، مسند أحمد (23966) وقال: حديث صحيح.
(4) صحيح البخاري (6806، 6484) .
(5) سنن أبي داود -باللفظ الأول- (2629) وحسنه الألباني، مسند أحمد -بلفظه الثاني- (15888) .