فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 1908

في أن يفسدَ عليه جهادَه، وقد أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الشيطان قعَدَ لابن آدم في طريقه إلى الله أيما قعودٍ يحاول أن يفسِد عليه دينه وهجرته وجهادَه، فقال - صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرُقِهِ؛ فقعد له بطريق الإسلام فقال تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَلِ؛ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال تجاهد فهو جَهْد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقًا على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وغيرهما (1) .

والسببُ كما قلتُ: قلةُ الفقه في الدين؛ فالعلاجُ إذن هو الفقه في الدين والوعي والتربية الإسلامية الصحيحة، والاعتناءُ بالتزكية، ثم تولية الأمناء الصالحين من الأمراء أهل الورع واعتدال الأمزجة واعتدال الأخلاق، أهل الصبر والسماحة والبذل، الباذلين لله لا يرجون من غيره جزاءً ولا شكورًا، المشفقين على أقوامهم والراحمين للخلق الذين يرحمهم الرحمن.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) } [الحجرات: 15 - 18] .

ففي هذه الآيات الكريمات حصر الله تعالى صفة الإيمان في الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يحصل منهم ارتيابٌ وجاهدوا ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى وحدَه، ثم لامَ ووبّخَ المتحدَّثَ عنهم في هذه الآيات -وهم جماعةٌ من الأعراب- على تبجّحهم في دعواهم وإخبارهم بأنهم آمنوا في حين أنهم لم يتصفوا بالصفات المتقدمة، وعابَ عليهم أنهم يمنّون على الرسول والمؤمنين بإسلامهم، وأمرَ رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن ينهاهم عن المنّ بإسلامهم، وأخبرهم أن المنة لله تعالى وحده.

وفي عَيْبِ التبجح بالدعاوى وذمّ المنّ والمانّين بعد ذكر صفة المؤمنين حقًا إيماءٌ إلى خطرِ هذا المرضِ ومنافاته للإيمان وإخلاله بصفة المؤمِنِ .. والله أعلم.

ومنها: أن على قيادات المجاهدين أن يعملوا على رصّ صفوف المجاهدين والتأليف بين قلوبهم

(1) سنن النسائي (3134) وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت