وساعة إرادتي إرسال هذا المقال للنشر، جاءت الأخبار ببدء تحرّك أهلنا في ليبيا وثورتهم على الطاغوت المخبول المشؤوم وعائلته الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وجعلوها ملكًا لهم ولكلابهم، فنسأل الله أن يخلّص الناس منهم، وأن يبرم للمسلمين في ليبيا أمرَ رشدٍ يعزّ فيه أهلُ طاعته سبحانه ويذلُّ فيه أهلُ معصيته.
وهكذا ضرب الله للناس الأمثال واستطاع جيلُ الشباب أن يثبت فاعليته في عالمنا الجديد رغم كل المساعي التي بذلها النظام العربي الفاسد لإفساد الشباب على جميع المستويات وتنويمهم، ولكنه كان نظامًا غبيًا غير واعٍ أشبه بالشهوانيّ لا غير، وكان لا بد للثورة أن تأتي مهما طال الزمن فهذه سنن كونية نعرفها من التاريخ والمعارف البشرية والتجارب ومن حسابات علوم النفس والاجتماع البسيطة، فإن تراكم الفساد بالطريقة الحاصلة في أمتنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يمكن أن يستمر طويلًا جدًا حتى يؤدي إلى الانفجار، يوقِد فتيله ما يقدره الله ومَن يهيئُهُ الله، ويجمع بارودَهُ جهودٌ متظافرةٌ لا تحصى تتظافر لمقابلة ذلك الفساد المتراكم، منها الصالح ومنها دون ذلك، والله أعلمُ بما يعمل الخلق وما ينوون ويريدون، وفيهم المفلح الفائز في الآخرة وفيهم الذي إذا أفضى إلى الآخرة لم يجد شيئًا إلا الخسران والعياذ بالله، ولكن تلك الجهود تجتمع كلها على مقاومة النظام الطاغي. وتذكرتُ هنا ما قال الشاعر أحمد مطر: «أعلمُ أن القافيةْ .. لا تستطيعُ وحدَها إسقاطَ عرشِ الطاغيةْ .. لكنني أدبغُ جلدَهُ بها دَبْغَ جلودِ الماشيةْ .. حتى إذا ما حانتِ الساعةُ وانقضّتْ عليه القاضيةْ .. واستلمتْهُ من يدي أيدي الجموعِ الحافيةْ .. يكونُ جلدًا جاهزًا تصنَعُ منه الأحذيةْ» اهـ.
ومع ذلك لم أكن ككثيرين من الناس نتوقعها بهذه السرعة، على نحو ما حصل في تونس الخضراء الأبية، ولا أظن أن الأعداء توقعوها أيضا، وهذا ما تدل عليه تصرفات فرنسا الركيكة الغبية، وحتى الأمريكان، مع أنهم كانوا أحسن حالًا من الفرنسيين، ولا سيما في مصر؛ واستفادوا من التجربة وأدركوا أن التغيير قادمٌ لا محالة.!
لقد ظننا مع كثيرين أن الشعوب ماتت أو خُدّرت إلى أمدٍ غلب على الظن أنه طويل، بسبب ما فعله الطواغيت المجرمون بها، لكن ثورة تونس وما بعدها أثبتتْ أن الشعوبَ يمكن أن تثور في الوقت الذي يظن المراقبون أنها ماتت أو غابت عن الوعي!
لكنني أسجّل مع ذلك موقفين:
الموقف الأول: أننا قرأنا قبل مدة من اندلاع الثورة في تونس، أي في أيام الطاغية بن علي، مقالًا في