وفي الجملة .. ندعو الشباب إلى حسن الفهم للأمور، والبُعد عن «ضيق الأفق» والتشنج والاستعجالِ، ولا ينبغي أن يدخلوا في خلافاتٍ مع الطوائف المختلفة معهم في الحركة الإسلامية، كإخوة «النهضة» في تونس مثلًا أو غيرهم، بل ينطلقوا في العمل البنّاء الإعداديّ، وهكذا الإخوة في مصر وسيناء ورفح وغيرها، ولتكن الدعوة بالرفق والتزام الآداب الكريمة وسعة الصدر للناس واختلاف أفهامهم هي السائدة، وليستحضروا أن أمتنا تعيش مراحل صعبة ومعقدة وأنها للتوّ بدأت تحاول النهوض والخروج من حال الانحطاط التي ارتكست فيها عقودًا بل قرونًا! فليكن الشباب على مستوى الوعي المطلوب، وكل ذلك لا يتعارض مع الحماسة في البذل للدين والغيرة والحمية له والصدع بالحق البيّن، ووضوح المنهج، إنما ضُمّوا إليه ما أشرنا إليه من الفضائل: الرفق وكمال الأدب وتغليب الشفقة والرحمة والإحسان في التعامل مع كل المسلمين، بل مع كل الناس. اجعلوا قاعدتكم هي: بإمكاني أن أعمل الخيرَ وأقول الحق، ولكن بكل أدبٍ وكياسةٍ وتجنّبٍ للمشاكل المفسِدةِ المُعيقة. واعرفوا -بارك الله فيكم- أن الحق درجاتٌ، منه ما لا يُتركُ قوله وفعله بحالٍ، ومنه ما يُترَكُ لمعارضٍ أو مانعٍ (عذرٍ) ، فتفقهوا في هذا، وافتحوا قلوبكم لفهم العلوم النافعة والرقي بمستوى الوعي والفقه.
لقد كشفت هذه الثورة العربية في تونس ومصر وما نرتقبه بعدهما من بلدانٍ، كشفت عن مجموعة هائلة من الحقائق وأظهرتها للعيان، وذلك من الخيرِ الكثير، ومن رحمة الله بالمسلمين، وقد بدأ الناس يكتبون في ذلك ولا بد أنه سيكتب الكثير والكثير؛ فإن هذا حدثٌ تاريخيّ كبير، وإنما أحببتُ أن أذكّر ببعض ذلك:
فمنها: هشاشة هذه الأنظمة البوليسية الاستبدادية الشمولية الطاغية رغم انتفاشها في أعين الناظرين، ولكنها خواء، يملؤها الجُبنُ والخوَرُ، متعفّنة من الداخل، متهاوية، ما أن تتحرك الشعوب وتثور عليها حتى تنهار ويهرب رؤوسها إلى الخارج لا يؤويهم في البلدِ جُحْرُ ضبٍ! وأدرك كثيرٌ من الناس أن الحكام الكفرة الطغاة لا قيمة لهم في ذواتهم من فضلِ صلاحٍ أو نفعٍ، وإنما صنعوا لأنفسهم قيمة بالسلطان وقوة الشرط والأعوان والطبقات المنتفعة بهم المرتبط مصيرها بمصيرهم.
ومنها: ما بانَ للناسِ من أن الغرب الكافر لا تهمّه مصالحُ شعوبنا الإسلامية في شيءٍ أبدًا، ولا يبكي علينا إلا دموع التماسيح حين يبكي، وإنما يركض ويلهث وراء مصلحته الشخصية والتي تقتضي «استقرار» المنطقة ودوام هذه الأنظمة الحلوب، رغم عَسْفها وظلمها وقهرها لشعوبها وكبتها لحريتها، ورغم فسادها الكبير الذي يعرفه الغربُ جيدًا، ورغم انعدام أبسط حقوق الإنسان في ظلها .. رغم كل