وصلاح السريرة والباطن الذي يتبعه صلاح الظاهر، فإن التقوى هي كما قال التابعيّ طلق بن حبيب - رحمه الله: «العملُ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاءَ ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافةَ عذاب الله» (1) .
إن مقصد الشرائع وتعلّمها والعمل بها هو تحصيل التقوى، ليكون العبدُ من المتقين الذين قال الله فيهم: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) } [المائدة] وقال - عز وجل: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) } [يونس] ، وَقال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) } [طه] ، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) } [الأعراف] ، وأخبر أن الجنة التي عرضها السموات والأرض {أعِدَّتْ للمُتَّقين} وقال: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} وقال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } [آل عمران] ، {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } [الزخرف] وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) } [النور] وأخبر أنه {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} ، وأنه {مَعَ الْمُتَّقِينَ} ، وقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل] وهذه هي المعيّة الخاصة التي معناها النُّصرة والتأييد والإمداد والعون والتوفيق، وهي تتضمّن أو تستلزم المحبة والرضا.
وأصل التقوى ومركزُها في القلبِ؛ فإذا عُمِّرَ بها القلبُ صلُحَ، وإذا صَلُح القلبُ صلحت الأعمال وحصلت الاستقامة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره: (التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا) وأشار إلى صدره - صلى الله عليه وسلم - (2) ، وكما في حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - الذي في الصحيحين وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسدِ مضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب) (3) .
ومن أهم الأسباب المعينة على ذلك باختصارٍ:
· عبادة التفكّر، وهي من أجلّ العباداتِ التي أمر الله بها وحث عليها، وأكثرُ الناسِ عنها غافلون وفيها مقصّرون.
· الاهتمام بقراءة كتب الرقائق والتربية والتزكية، التي تعتني بأحوال القلب والنفس ومعالجة
(1) مصنف ابن أبي شيبة (30356) .
(2) صحيح مسلم (2564) .
(3) صحيح البخاري (52) ، صحيح مسلم (1599) .