وكتب الفقه في الأبواب التي يعقدها الفقهاء للردّة -أعاذنا الله وإياكم منها- وأحكامها وأحكام المرتد .. ولهذا ننبّه دائمًا على خطأ من يعتمد في فهم أحكام مسألة التكفير على ما في كتب التوحيد والعقيدة فقط، يشدو منها طرفًا ثم يظل يطلق الأحكامَ بدونِ معرفة بـ «الفقه» وأقوال الفقهاء وطرائقهم وشروحهم.
وفي عصرنا كُتِبت عدة مؤلفات في هذه المسألة وفي بيان نواقض الإسلام القولية والعملية وغيرها، منها الجيّد ومنها دون ذلك، وطالبُ العلم يستفيد منها، ويسترشِدُ العلماء الأمناء ويراجعهم في مواطن الإشكال، ويتذكر الفائدة التي مرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كثرة الكتب (1) ، ويكثِرُ من الدعاء الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو به في افتتاح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السمواتِ والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم) (2) ، والتوفيق بيد الله وحده.
وأذكر هنا جملا مفيدة في هذه المسألة (مسألة التكفير) :
أولا: التكفير هو الحكمُ بكفرِ الشخص .. هذا هو الاستعمالُ الأكثر، وقد يستعمَلُ لتكفير «الفعل» ومعناه حينها الحكمُ بأن الفعل الفلاني من أفعال المكلفين -فعلٌ أو ترْكٌ، أو قول، أو اعتقادٌ ومنه الشك- محكومٌ عليه في ديننا وشريعتنا بأنه كفرٌ وخروجٌ من دائرة الإسلام، وهو التكفير المطلق في الاصطلاح.
ثانيًا: التكفير سواءٌ كان مطلقًا -وهو الحكم بأن الفعل أو الترك، أو القول أو الاعتقاد ومنه الشك، كفرٌ-، أو كان معيّنًا -وهو الحكم بأن الشخص المعيّن الفلاني قد انطبق عليه الكفرُ فهو كافرٌ خارج من ملة الإسلام، غيرُ مسلمٍ- هو حكمٌ شرعيّ، ككل الأحكام الشرعية؛ لا يجوز القول به إلا ببرهانٍ من الله - عز وجل -، بمعنى أن تدل الشريعة المطهرة عليه دلالة بيّنة.
فما صح الدليل من القرآن والسنة وما في معناهما على أنه كفرٌ فنقول هو كفرٌ.
ونطلِقُ فنقولُ: مَن فعل كذا فهو كافرٌ؛ لبيان الحُكمِ وللتخويف والزجر والردع.
ثم الشخص المعيّن، أي فلان بن فلان الذي وقع منه هذا الفعلُ نحكُمُ عليه بأنه كافرٌ إذا توفرت شروط التكفير ولم توجدْ موانِعُ تمنَع من إيقاع الكفرِ عليه، وهذا هو: تكفيرُ المعيّن.
(1) يعني قول شيخ الإسلام المتقدم قبل وُريْقات: «وقد أوعبت الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعابا؛ فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرةُ الكتب إلا حيرةً وضلالا» .
(2) سنن أبي داود (767) ، سنن الترمذي (3420) ، سنن النسائي (1625) ، وصححه الألباني.