ثالثًا: إذا عرفنا أنه حكم ٌشرعيّ فسبيلُهُ سبيل سائر الأحكام الشرعية من حيث درجةُ ثبوتِه، فمنه ما هو مستيقن مقطوعٌ به، مثالُهُ: كون اليهود والنصارى كفارًا وكذا الوثنيون عبّاد الأصنام والأوثان كما كان عليه حالُ مشركي العرب الذين بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، وكما عليه حالُ عبّاد البقر من الهندوس في الهند حاليًا وكذا عبّاد بوذا «البوذيون» ، وأشكالهم من كلّ أصحاب الأديان والمللِ غير ملة الإسلام، ومن لم يدخل في الإسلام ولا انتسبَ إليه في وقت من الأوقات، نعوذ بالله من حالهم.
فهؤلاء كفرُهُم -أي كونهم كفارًا- مقطوعٌ به وهو معلوم من الدين بالضرورة، ويجب على كل مسلم عرفهم أن يعتقد أنهم كفارٌ.
ومنه ما هو ملحقٌ بذلك كالمرتد الذي صرّح وأعلن بالانتقال إلى ملة أخرى غير ملة الإسلام، كمن يتنصّرون والعياذ بالله ويُعلنون كفرهم بدين الإسلام ورفضه والانتقال إلى دين النصارى.
وقريبٌ منه كفرُ مَن اتبع مدّعي نبوّةٍ كأتباع مسيلمة الكذاب لعنه الله، وأتباع الدجاجلة المتنبّئين الكذابين، ثم قريبٌ منه -وهذا كله في المرتد- من يجاهِر بالكفر الصريحِ ويسبّ الدين ويستهزئ به بشكلٍ واضح لا لبْسَ فيه، ولا سيما مع التكرر، ومن هؤلاء من يكون كفره أعظم وأوضح من كفر اليهود والنصارى .. وهكذا.
ومنه ما هو دون ذلك؛ حكمٌ اجتهاديّ يحكم به الفقيه المؤهّلُ كالحكم على حاكمٍ بأنه كفرَ لأنه لم يحكم بالشريعة، فإن ذلك درجاتٌ تتفاوتُ: كمن نبذها رأسًا ولم يحكم بشيء منها، أو من حكم ببعضها دون بعضٍ بحيث يمكن أن يدّعي أو يُدّعى له أن له عذرًا وتأوّلًا فيما لم يحكم به، ومن هو متصوّرٌ فيه شبهةٌ وتأويلٌ، ومَنْ لا، وغير ذلك من الأمثلة وهو كثيرٌ جدًا.
وكمن كفر بفعلٍ مكفّر وقع الخلاف بين العلماء في التكفير به، وترجّح عند البعضِ التكفيرُ به، كلبْس الصليب، وكترك الصلاة تركًا تامًّا بالكلية .. وهكذا.
قال الشيخ محمد أنور كشميري: «مأخذ التكفير أي دليله الذي أخذ منه وبُني عليه قد يكون ظنيًا، ونظيره العمل بالظن في حالة الجهاد إذا تردد في شخص أهو مسلم أم لا، ولا ينبغي أن يظن أن التكفيرَ ونفيه ينبغي أن يدرك قطعًا في كل مقام؛ بل التكفير حكمٌ شرعي، يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار؛ فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية؛ فتارةً يُدرَكُ بيقينٍ، وتارةً بظنٍّ غالبٍ، وتارةً يُتَرَدَّدُ فيه، ومهما حصل ترددٌ فالوقف فيه عن التكفير أولى» اهـ، من «إكفار الملحدين في