ضروريات الدين»، مستفيدًا من الغزالي في «التفرقة» (1) .
رابعًا: وكما يقع الاختلافُ من الفقهاء المُفتين، ويقعُ الترددُ من الفقيه الواحد في الحكم بأن شيئًا من أفعالِ المكلّفين كفرٌ أو لا، كذلك يقع الاختلافُ والترددُ في إيقاع الكفر على الفاعلِ، أي تكفير المعيّن، بسبب الاختلاف في النظر في الشروط والموانع وتطبيقها.
خامسًا: وبناءً على ما سبق؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على تكفير أحدٍ من أهلِ الإسلام، أي ممن سبق أن حُكِم بإسلامه وثبتَ له عقدُ الإسلام، إلا ببرهانٍ من شريعة الله تعالى، ولأن الحكم بالتكفير حكم شرعيّ تتفاوت درجاتُ وضوحه وثبوته كما أشرنا:
· فإن الواضحَ منه جدًا يعرفُهُ المسلمون أو أكثرُهم ومتوسّطوهم، وربما استوى العالِم والعامّيُّ في معرفته، كبعض الأمثلة المبيّنة أعلاه، وكمن يسبّ الله - عز وجل - وتبارك وتعالى وتقدس، ويسبّ دينه، ويستهزئ به بشكل صريح واضحٍ لا لبسَ فيه، ولا سيما مع التكرر مثلا؛ فإن هذا لا يحتاجُ إلى أن يُفتِي فيه عالِمٌ لأن كل الناسِ علماءُ بأن هذا العمل كفرٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام، فمَن رأى من يفعل ذلك ولم يكن مُكرَهًا -كأن يكون طاغيةٌ يُكرِهُهُ على فعل ذلك في سجنٍ ويعذبه مثلا-، ولا كان مجنونًا -فإن المجنون المسلمَ محكومٌ بإسلامه ولا تصحُّ ردّتُهُ- فإنه يحكم بكفره.
· أما غيرُ الواضح جدًا، مما قد يقع الخلاف بين أهل العلم فيه من الأعمال هل هو كفرٌ أو لا، أو يقع الخلافُ والتردد في تكفير فاعِلِهِ بناءً على: هل له عذرٌ أو لا، أي هل توفرت في حقه الشروط وانتفت الموانع للحكم عليه بالكفرِ أو لا .. فهذا يجبُ أن يُترَك للعلماء ولا يتكلم فيه مَن ليس من أهل العلم؛ لأنه مظنة الخطأ، والخطأ في هذا البابِ على وجه الخصوص خطيرٌ وأمرُه صعبٌ، لما ورد في الشريعة من التحذيرِ من الإقدام على تكفيرِ مسلمٍ بغير حق والمبادرةِ إليه، والوعيد على ذلك، فيخشى المؤمنُ الحريصُ على دينه والنجاة في آخرته أن يكفّر مَن لا يستحق التكفير فيبوء بالوعيد الشديد.!
والله أعلم، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإخواننا الهدى والسداد ..
وأما الكلام على تركيا وواقعها؛ فيحتاجُ إلى تفصيل، ولا بد من النظر إلى كل مسألة نظرًا خاصًا.
وعلى ضوءِ ما ذكرتُ فيما سبقَ فإن الواجبَ على عمومِ الإخوة أن يسألوا العلماء ولا يتسرّعوا في تكفيرِ الناس، بمجرد ما يقرأون ويفهمون من عبارات المؤلفين في الكتب، فإن هذا من أسباب الغلط الفاحشِ؛ لأن الأخ «العامّيّ» يطبّق ما يفهمُهُ من تلك الكتب، فربما أخطأ في الفهم، وربما أخطأ في
(1) إكفار المحدين في ضروريات الدين (ص 116، 117) .