عليه ويُحسِنه منها، وما فُتِح عليه فيه، لأنه هو الذي يقدر على عمله وإجادته وهو العمل الذي يُحسنه، وما أداه إليه اجتهاده أنه الأنسب للإصلاح .. هذا الحد جيد لا بأس به.
وعليه -من تمام ذلك- أن يُسلّم للناس فيما يحسنون هم أيضا وفيما يجتهدون، وفيما يقدرون عليه وما فتح عليهم فيه من أبواب الخير.
لكن هذه التخصصات والاختلافات تكون شرّا وفسادًا عندما تكون من اختلاف التضادّ.
بمعنى أن أهلها لا يقبلون اجتماعها، بل كل أهل اختصاص وطريقة يرون أن الحق هو طريقتهم وما يحسنونهم هم ويفعلونه، وينصبون العداء للآخرين الذين لم يختاروا طريقتهم، ولا يسلّمون لأحدٍ، إلا من اتبع طريقتهم فقط!! وقد يصل الحال ببعضهم إلى أن ينحاز إلى العدوّ -الحاكم الكافر المرتد مثلا- ضدًّا لإخوانه بسبب اختلافه معهم ومحبّته لانتصار طريقته وسلامته وسلامة مشاريعه! وهذا والعياذ بالله من أنواع الخذلان والضلال المبين، وهذا من أشد ما رأيت من الزلات والفتن لأصحاب الدعوات، نسأل الله برحمته أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
فهذا هو الشرّ والوبال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والخلاصة: أن الواجب على أهل الإسلام أن يتكاملوا ويتعاونوا ويتعاضدوا وتتظافر جهودهم وأعمالهم على تحقيق الخير لهم في الدارين، فهذا مجاهد في ميدان الجهاد أي القتال، وهذا مرابط في ميدان العلم والتدريس والدعوة والتربية، وهذا وهذا .. والكل إخوة متحابون متعاونون محافظون على الحقوق والإخاء.
وحيث يوجد الاختلاف في الرأي والاختيار في المكان الواحد والوقت الواحد، فليكن الحرصُ على ائتلاف المسلمين ووحدة صفّهم وإن على الرأي المرجوح، ليكن هو السبيل، والبُعد عن الخلاف فإنه شرّ، ثم إن وقع ما هو أشدّ من قضاء الله فليكن التمسّك بثوابت الدين ومحكماته نصب أعين الجميع: الولاء الإيمانيّ، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه، وتحقيق العدل والقسط، مع استمرار التباحث والتناصح والتذاكر بين المسلمين في شأنهم .. والموفق من وفّقه الله.
وليعلم الجميع أن الله تعالى ابتلانا بهذا الاختلاف، وأنه مرادٌ لله تعالى قضاءً وقدرًا لحكمٍ بالغةٍ، أهمها الابتلاء والاختبار، وإظهار درجات الناس في المجاهدة والبحث عن الحق واتباعه في مخالفة أهواءهم، وتمايز درجات العباد في ذلك، والتفريق بينهم على أساس الدين في الدارين .. إلى غير ذلك من الحكم العظيمة لمن تأملها، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53] ، {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة: 253] ، وهذا المعنى كثير