فهرس الكتاب

الصفحة 960 من 1908

لمن بعدهم أن يخالفهم، هذا ليس عدلا! وتكفي هذه الإشارات.

ويدندن أبو طواري كثيرًا حول السنّ والخبرة وما قاربها من المعاني، وهذا شيء لا نخالفه فيه بل نوافقه في أهمية كبر السن والتجربة في الحياة وفي مداولة المسائل وطول الزمن في دراسة العلم والفكر، وحديث (حدثاء الأسنان .. ) (1) يُرعبُ قلب كل مؤمن، ولكن أيضا نحن نعرف أن العمر لا اعتبار له في إصابة الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، ولا نظر في العلم إلى كبير أو صغير، ونعرف أن زعيم علماء الأمة الذي روي أنه يأتي أمام العلماء بكذا يوم القيامة وهو معاذ بن جبل توفّي وله بضعة وثلاثون عامًا من العمر في الدنيا، وشيخ الإسلام ابن تيمية كان إماما مفتيا وجلس لدروس التفسير يحضر له العلماء وعمره إحدى وعشرون سنة، وذلك كثير جدًا في العلماء وفي القادة العسكريين والسياسيين، وحتى بعض من يشير إليهم «أبو طواري» تصدّروا وصاروا مدرسةً في الحركة الإسلامية وهم في الثلاثينات من أعمارهم.!

صحيح أننا نوصي أنفسنا ونوصي إخواننا الطلبة بمعرفة قدر أنفسهم وأن لا يتقدموا من هم أعلم وأعرف وأكبر منهم سنًا .. الخ، وهذه من أصول تربيتنا، ولكن أيضا من الحق الذي نؤمن به وندعو إليه أن الحق إنما يعرف بدليله وبرهانه لا بقائله؛ فكبر السن أو صغره والشهرة أو الخمول ونحوها لا يعارض بها البرهان عند البحث والمناظرة، إنما المقارعة بالبرهان وحده.!

وأما ادعاء الإجماع فخطأ واضح اجتنبه الأخ «أبو طواري» واستعاض عنه بمسألة الكون مع الجمهور الأعلم والأعرف والأكبر سنًا وخبرة وتجربة والقول باحتمال الخطأ والتراجع من طالب العلم ... الخ.

ونحن نقول له: إن احتمال الخطأ والتراجع من الجميع وارد وإن زاد هذا على هذا، وإذا كان من أسباب ذلك لدى الشابّ صغر سنه فعند كبار السن أسبابٌ أخرى تقاربه أو تربو عليه! وبكل حالٍ فهذه مسألة تربويةٌ ينصح بها الإنسان نفسه وإخوانه ويعتني بها مريد الخير في خاصة شأنه، لكن -كما قدمت- لا تُعارض بها البراهين عند البحث والتحقيق.

ثم مسألة الخبرة التي يتكلم عنها تحتاج إلى ضبط؛ فكم رأينا شابًا في العشرينات والثلاثينات عنده من الخبرة في الحياة وإدارة شؤون البشر وسياستهم ما يفوق أصحاب الستين، لأنه خاض التجارب وخالط وتخصص وقرأ في هذا المجال واعتنى به، وأولئك لم يخالطوا ولم يجربوا ولا اعتنوا فمن أين تأتي

(1) صحيح البخاري (5057، 3611) وزاد: (سفهاء الأحلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت