وقال - رحمه الله - أيضا: «وأما قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] : فإن ذلك عام في النصرة والميراث؛ فإن من كان مقيما بمكة على إيمانه لم يكن ذلك معتدا له به، ولا مثابا عليه حتى يهاجر، ثم نسخ الله ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة، سواء كان الوارث في دار الحرب أو في دار السلام؛ لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة، إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين؛ فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء .. فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد، والقوة والجلد» (1) اهـ.
ومنه: قياسه على جواز أخذ قدر الضيافة منهم لو امتنعوا عن بذلها، وفي المسألة نصوص حديثية معروفة، كما في الصحيحين وغيرهما عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنه قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) (2) اهـ.
وهل هو خاصّ بأهل البوادي، أو عامّ فيهم وفي غيرهم؟ خلافٌ بين العلماء.
قال في عون المعبود: «قال النووي: حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره وتأوله الجمهور على وجوه أحدها أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة وثانيها أن معناه أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لومهم قلت: وما أبعد هذا التأويل عن سواء السبيل قال: وثالثها أن هذا التأويل باطل لأن الذي ادعاه المؤول لا يعرف قائله، ورابعها: أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذي شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضا ضعيف لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كذا في المرقاة. قلت: التأويل الأول أيضا ضعيف لأنه مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة، ولبطلان التأويل الثالث وجه آخر وهو أن تخصيص ما شرعه (لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم ها هنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن
(1) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 440) .
(2) صحيح البخاري (6137) ، صحيح مسلم (1727) .