فهرس الكتاب

الصفحة 1038 من 1424

وقد جاء في وصية لقمان لابنه ما من شأنه أن يؤكِّد الروابط الإنسانية بينه وبين غيره، ويدفع عنها كل إيذاء معنويٍّ وجرح للشعور الداخلي في ذات الإنسان. فكان ما أوصاه به في قوله: (ولاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ولاَ تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحًا) أيْ لا تَتَكبّر على الناس، ولا تعجب بنفسك ( إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) (لقمان 18-19) أي واعتدل في سيرك فلا تكن مُهرولًا مُبطئًا في تأنِّيك، واخفِض من صَوْتِك بحيث لا يكون مؤذيًا لسماع غيرك.. فأوصاه بالتواضع، وبعدم الغرور، وبالاعتدال في السير، وبغَضِّ الصوت عند الحديث. وكل ما أوصاه هنا يستهدف: عدم إثارة الضيق أو الأذى والحرج في نفوس الآخرين. ثم وقف قليلًا عندما أوصاه به من غَضِّ الصوت في الحديث، ليُوَضِّح أثر الصوت في إزعاجه للآخرين عندما يرتفع، فقال له: (إِنَّ أَنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَميرِ) (لقمان: 19) .. ويُفَسِّر الزمخشري في كتابة الكشّاف هذه الجملة بقوله:"فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم: بالنُّهاق، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة وإن جُعلُوا حميرًا وأصواتهم نهاقًا.. مبالغة شديدة في الذَّمِّ والتهجين، وإفراط في التثبيط من رفع الصوت والترغيب عنه، وتنبيه على أنّه من كراهة الله بمكان".

وإذن من الآداب التي تنصح بها رسالة الله: أن لا يرفع المتحدِّث صوته في الحديث أو في الكلام ويحافظ بذلك على شعور الآخرين وأحاسيسهم. ولا تكون قراءة القرآن مبرِّرًا لرفع الصوت وإزعاج الآخرين بالصوت المرتفع؛ لأن طلب خفض الصوت في الحديث أوفى الكلام أمرٌ مُطلَق وعام؛ إذ الأمر يتعلّق فقط بعدم الإزعاج والقلق. ويستوي في حصول الإزعاج والقلق أن يكون المنطوق به في صوت مرتفع، هو: من كلام الله، أو مما سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت