فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 1424

فقد نسبت الآية أموال السُّفهاء إلى المؤمنين وعبَّرت عنها بـ"أموالكم"مما يُفيد أن المال في الأمة وإن كانت ملكيّتُه خاصّة فوظيفته عامّة، ومنفعته للجميع، بدليل قول الآية بعد التعبير بـ (أَمْوالكُمُ التِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا) (النساء: 5) .. فوصفت الأموال المنسوبة إلى المؤمنين جميعًا ـ وفي حقيقتها هي مِلْك خاصٌّ ـ بأنَّ فيها قِوامَ الجميع ومعاشهم.

والرِّشوة لصاحب السُّلطة في الوظيفة العامة هي إفساد له ـ فالمُعطي لها كالقابِل إيّاها، شارك في الفساد. وفساد الموظَّف في وظيفته العامّة لا يقف عند شخصية، إنما يمسُّ المصلحة العامة كلها، وهي مصلحة الناس جميعًا فإذا أعطيت الرِّشوة بُغية الحصول على بعض المكاسب المادِّيّة في ظل القانون أو باسمه فإنها عندئذٍ تكون قد ارتبطت بكسْب حرام، هو في واقع أمره سرقة مُقنِعَة من الآخرين معه في المجتمع.

وإذن كذلك مَن أعطي الرِّشوة لهذا الغرَض، ومَن قبلها لتحقيق هذا الغرض، يكون قد انحرف في وظيفة المال، مع علمه بهذا الانحراف. (وتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وأَنْتُمْ تَعْلَمونَ) (البقرة: 188) .

أمّا عن الأمر الثاني: وهو موقِف المتعامِلين مع الموظَّف المرتشي ـ وقد اتضح أن الرِّشوة منكَر وحرام فالحديث الشريف القائل:"مَن رأى منكم منكَرًا فلْيُغَيِّرْه بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلْبِه وذلك أضعفُ الإيمان"يحدِّد هذا الموقف. أدنى المواقف التي ذكرها الإنكار بالقَلْب. ومعنى الإنكار بالقلب عدم التودُّد إليه، أو الابتعاد عنه.

ولا يغيِّر المواقف التي حدَّدها هذا الحديث القول بأنَّ الوِزْر على المخطئ وحده، وهو الذي يتحمّل نتيجة خطأه. وهذا لا يؤثّر على علاقة المتعاملين معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت