... إن التعميم فيما يقوله الرجل المسلم هنا مِن أن جميع المساكن المفروشة تُستأجَر لمباشرة المنكر: خطأٌ في القول وفي الفتوى، والأصل أو المبدأ الذي تقوم عليه المعاملات الإسلامية هو: الحلُّ وعدم التحريم حتى يظهر الضرَر، وعندئذٍ تَعرِضُ الحرمة لمَا كان حلالًا مِن قبلُ، فإذا كان هناك عقدٌ بين اثنينِ على بيع شيء وشرائه فالعقد جائز وحلالٌ، فإذا ظهر بعد المُوافقة عليه مِن الطرفين: خداعٌ مِن جانب أيٍّ منهما حرُم العقد وفُسِخ، بعد أن كان حلالًا وتمَّ.
... وتطبيق هذه القاعدة أو هذا الأصل على التأجُّر للشقق المفروشة، أن التأجير حلالٌ ولا ينطوي على التمكِين مِن مُنكر، فإذا ظهر أن المستأجر يُمارس المنكر على وجه التأكيد فيما استأجره كانت مُمارسته للمُنكر فيه إخلالًا بصحة عقد الإيجار، ومِن ثَم يُلغَى هذا العقد ويُفسخ.
ومن أجل ذلك لا تُعمَّم الشُّبْهة ولا يُقال: إن كل المساكن التي تُؤجَّر مَفروشة تُدار للبِغاء، ولاحْتساء الخمر، أو لَعب القُمار ـ كما يقال ـ أيضًا: إن جميع المصطافين في أشهر الصيف سُياح يُمارسون المنكر في الشقق المفروشة المستأجرة.
... والحديث الشريف عندما يقول:"ادْرَأُوا الحُدودَ بالشُّبُهَاتِ".. أي اتْركوا الحدود ـ وهي العقوبات المحدودة لجرائم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، إذا لم تكن الجريمة قد وَقعت على سبيل القطْع: يقول ذلك ليُبعد"الظن"في مباشرة الحلال والحرام، أو في القول بهما، والتعميم الذي يقول به الرجل المسلم في سؤال السائل هنا: صورة من صور الظنِّ في مُباشرة الحلال، والحرام.