نعم، الإسلام يرى في النظام الطبيعي للمجتمع البشري أن يكون هناك غنيٌّ بماله وآخر غنيٌّ بحِرْفته ومِهنته، وكل مِن النوعين في حاجة إلى الآخر. هذا الغنيُّ بماله يدفع مِن ماله الأجر لصاحب المِهنة والحِرْفة إذا عمِل له عملًا. وهذا الغنيُّ بحرفته يقوم بالعمل لغيره بالأجر عليه. والمجتمع الإسلامي إذًا ليس مجتمع مُلاك ولا مجتمع عُمال خالصًا، ليس مجتمعًا رأسماليًّا، ولا مجتمعًا اشتراكيًّا ماركسيًّا، يقول الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)
يريد الاختيار إلى الرسالة (نحنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ في الحَياةِ الدُّنْيَا ورَفَعْنَا بعضَهمْ فوقَ بعضٍ دَرَجَاتٍ) في الرزق والمال (لِيَتَّخِذَ بَعضُهمْ بَعضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف:32) أي ليَأجُرَ بعضُهم بعضًا للعمل، والاختلاف بين الناس؛ هذا يملك وذاك لا يملك، ليس للصراع والفتنة، وإنما ليستقيم أمر المجتمع في حاجة كل فردٍ للآخر. فلو كان المجتمع كله مثلًا ذكورًا أو كله إناثًا لَمَا استقام إطلاقًا ولذا خُلق الذكَر وخُلقت الأنثى، وهما معًا يختلف أحدهما عن الآخر، ولكنه ليس الاختلاف للصراع بينهما، وإنما للسكنى والاطمئنان والمودة والرحمة، كذلك الشأن في الاختلاف في ملكية المال والعمل.
وبجانب حماية الإسلام للوضع الطبيعيّ للمجتمع فإنه يحمي الفقير بفرض عبادة الزكاة، ويَحمي مالك المال مِن طغيانه بالإرث وتَفتيت الملكية، فالذي يُخرج الزكاة هو سيِّدٌ على ماله وليس عبدًا له، والذي تَؤُول ملكية ماله إلى عَدِيدينَ مِن وَرَثته لا يجد في المال قوةً يَعتزُّ بها، وإنما يرى أنه مُستخلَفٌ عليه لوقت ما، ثم يخرج مِن يده إلى آخرينَ.