تتجاوز منزلة أيِّ مَدعوٍّ عاديٍّ: إنْ جاءَا فأهْلًا وسهلًا، وإنْ لم يَجِيئَا"فيَا دار ما دخلك شرٌّ".. كما يقولون.
وهذا الموقف من الابن الأكبر تجاه والده يَنُمُّ من جانب آخر عن عدم وَفائه، كما يَنُمُّ عن أنه مَنْفَعِيٌّ، فطالما يستطيع الآنَ بمُرَتَّبه الشهري في وظيفته أن يستقلَّ في المعيشة عن أبيه، فلا حرَج عليه إذا أدار له ظهره، أو تغاضَى عنه فلا يَحفِل بوجوده أو بعدم وجوده، وعدم الوفاء ليس طريقَ مَن أناب إلى الله، وأطاع ما يأمر به أو يَنْهَى عنه، وقد طلب ـ جل شأنه ـِ من المؤمنين بالله أن يتَّبعوا سبيل مَن أناب إلى الله وتوكَّل عليه: (واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إليَّ) .. ليعُد هذا الابن إلى طريق الإحسان إلى الوالدينِ. إنه في حاجة إلى عطفهما قبل أن يحتاجَا هما إلى عطفه، والعطف هو الرِّقَّة والحنان في العلاقة بينه وبينهما. إن علاقته الزوجية وبأهلها لم تزل في بدايتها. ويوم أن يقع فيها احتكاك ـ وهذا أمر محتمل ـ فإنه لا يجد مَن يكون بجانبه بالرأي ويَتعاطف معه كإنسانٍ في شدته سِوى أبويْه. ... ...
فإن عاد الآن بالإحسان إليهما وبالاعتذار لهما فإنه سيجد رصِيدًا من المَحبة والتعاطف لديْهما يَستند إليه في حياته، وقريبًا منه وفي مُتَناوَل يده. إن حياة الإنسان ليست اقتصادًا فقط، ولا استقلالًا في نفقات المعيشة، ولا مُعادلةً تقوم على مُوازَنة الدخْل والإنفاق. إنها قبل كل شيء إحْساس بمَحبة الآخرين القريبِين حوله ومُساندَتهم له في الأزَمات بالكلمة، وإحساس المُشارَكة، وأداء ما يجب أداؤه نحو معاونته وإنقاذه، والوالدانِ هما أقرب الناس له، وهما أكثر عطْفًا عليه، وسندًا له في غير مقابل وفي غير انتظار لمقابل. ...
والوالد إذْ يغضب الآن لا يَغضب؛ لأنه قد يَفوته شيءٌ مِن ابنه كان ينتظره منه. إنه لا يَنتظر منه سوى أن يسمع الخير عنه، ويسمع النجاح والتوفيق له في وظيفته وأُسرته الخاصة. ...
إذا لم