فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1424

ثم تعقيب هذه الآيات بأنَّ الله يعلم ما نفوس الأبناء على حقيقته، وأنّه يغفر للصالحين منهم ما كان لهم من جُموح فيما مضى من معاملة أبنائهم، إن عادوا إلى الطريق السَّوِيّ في معاملتهم وهو طريق الإحسان... ليؤكِّد لهم الإسلام مطلوبَه من وجوب الإحسان إلى الوالدين، إحسانًا صادرًا عن محبَّةٍ لهما، وعطف عليهما، واعتراف بفضلهما عليهم في صغرهم وفي سِني حياتهما التي كانوا يحتاجون فيها إلى الرعاية والتوجيه، ليس عن نفاق ورغبة في تفادي النقد لهم من الآخرين، وتجنُّب اللوم من غيرهم، إن بدتْ معاملتهم لآبائهم مكشوفة على حقيقتها.

ومع ما يذكر القرآن هنا من وجوب توفير الأبناء الإحسانَ للوالدين في قولهم، وعملهم ومشاعرهم الداخلية النفسية، وطاعتهم المنبثقة من العطف والحنان عليهما والرحمة بهما... فإن هناك في الوجود ـ في دائرة الطاعة ـ قبل الوالدين مَن هو أعزُّ منهما، ومن تكون طاعته أكثر اتباعًا وأوجب من طاعة الوالدين، وهو الله تعالى، إن تعارَض ما يدعوان إليه مع ما يدعو هو إليه جَلَّ جلاله: (وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْروفًا) "لقمان: 15".

فهنا إذا حاول الوالدان ـ أحدهما أو كلاهما ـ حملَ الأبناء على الاعتقاد بالشرك بالله ـ فضلًا عن حملهم على الكفر والإلحاد به ـ فلا تجب طاعتهما؛ لأن الاعتقاد بالشِّرك بالله من شأنه أن يوجه الإنسان إلى قبول المهانة والمذلّة، باعتماده على ما يصلح في الوجود للاعتماد والتوكُّل عليه. وبذلك يفقد الإنسان إنسانيته التي كرَّمها الله، وإذا فقد الإنسان ـ كابن ـ إنسانيتَه فلا يكون أهلًا لأنْ يصدُر عنها في معاملته لوالديه معاملة قائمة على الإحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت