والحقيقة كما تبدو في كتابَي السائلين: أن المشكلة ليست بين الوالدينِ من جهة، والأولاد من جهة أخرى، وإنما هي بين: أنانية الوالدينِ.. وعدم أنانية الأولاد، فتَشَبُّثُ الأم بانتقال الابن إليها ظاهرةٌ من ظواهر الأنانية.. وغضب الوالدينِ من ابنتهما؛ لأنها لا تُباشر عمل منزلهما في غيْبتهما، وتخشى على أولادها وزوجها: ظاهرة من ظواهر الأنانية منهما كذلك.
... والابن الحائر بين واجبه في عمله ورغبة والدته.. والبنت الحائرة بين واجبها نحو أولادها وزوجها ورغبة والديها، وليست حَيْرة أيِّ واحد منهما: ترجع إلى أنانيةٍ لدَيْهِمَا، وإنما تعود حيْرتهما إلى أنهما يُريدانِ أن يكون فعْلًا في خدمة الأبوينِ، ولكن فقط ليس على حساب الواجب عليهما نحو أنفسهما وأسرتيهما.
... أيُّ شيء ينقص الأم التي تعيش في الصعيد إذا كان ابنها يتردَّدُ عليها من وقت لآخر.. وإذا كان يُرسل إليها من النقود ما يَستطيعه؟. أتُريد أن تتدلَّل؟. أتريد أن تتحكَّم لتعرفَ مدَى نُفوذها على ابْنها". أتُريد أن يظلَّ ابنها طفْلًا، ولا يُصبح رجلًا يومًا ما: يُكوِّن أسرةً جديدة.. ويعرف ما يجب عليه في الحياة بعيدًا عنها؟"
... والوالدانِ اللذانِ يغضبانِ من ابنتهما المتزوجة: لماذا لا يترك أحدهما العمل الخارجي.. لماذا لا تترك الأم هنا ـ مثَلًا ـ العمل خارج المنزل، وتعود إلى البيت لتقوم بشئونه، وواجب الزوجية فيه، بدَلًا من أن تُعلن غضبها على ابنتها؟ لماذا ـ إنْ هي أصرَّت على العمل الخارجي ـ لا تَستأجر مَن يقوم لها بالعمل المنزلي في مسكنها هي وزوجها؟ كان يُنتظر منها إذا عرَضت ابنتها عليها أن تُباشر العمل في مسكن أبويها أن تُنبهها إلى واجبها الأول، وهو رعاية أولادها الثلاثة وزوجها في بيت الزوجية وأسرتها.. كان يُنتظر أن تَرْفض رفْضًا باتًّا عرض ابنتها عليها، لأن تنفيذه سيكون على حساب المَصلحة الخاصة للأولاد الثلاثة وأبيهم، وهو زوج البنت.