فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 1424

والله إذ يطلب عن طريق الرسول ـ عليه السلام ـ إلى الناس: أن يؤمنوا بما في كتاب الله ـ يطلب إليهم في الوقت نفسه أن ينظروا ـ كجزء منه ـ إلى ما في الكون من نظام.. وتدبير.. ونِعَم لا تُحصَى فمثلًا قوله تعالى: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ) (المؤمنون: 12 ـ 14) . ومن النظرة غير المتحيِّزة إلى ما في هذا الكون يصل الإنسان حتمًا إلى الحقِّ جل جلاله في وحدته في الألوهيّة.

والنظرة إلى ما في الكون تتعدَّد وتتشعَّب، حسَب تعدُّد جوانبه. وعن النظرة إلى كل جانب والتجربة فيه إن أمكن ينشأ علم أو جملة من العلوم، تأخذ أسماء معيّنة حسَب هذه النظرة، والبحث، والتجربة. وهكذا: العلوم الطبيعية.. والعلوم الإنسانية وفيها الفلسفة، والقانون، والتاريخ والعلوم الاجتماعية وغيرها ـ علوم تبحث في هذا الكون، وتنتهي في بحثها حتمًا إلى الإيمان بموجود يُحكِم التدبيرَ: خلقَ هذا الكونَ، ويمسك نظامَه. فإذا لم تنتهِ هذه العلوم اليوم.. فستنتهي غدًا، أو بعد غد. ومن أجل ذلك علوم الكون متطوّرة، وقابلة للتغيير؛ لأنّها لم تنتهِ بعد.

وهكذا علوم الكون رافد آخَر يوصِّل إلى الإيمان بالله. وهكذا ما جاء في كتاب الله يوافِق ما جاء في كونه. فإنْ بدا هناك عدم توافق، فذاك يرجع إلى الإنسان الذي لم يرتفع بعدُ إلى رؤية التوافق بين النوعين. إذ كلاهما مخلوق لله سبحانه: هذا كتابه.. وذاك كونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت