وكذلك قوله ـ تعالى ـ: (ومَا لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وللهِ مِيراثُ السَّمواتِ والأرضِ. لا يَستوي مِنْكمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى واللهُ بِمَا تَعْملونَ خَبير) (الحديد: 10) .
فالتفضيل بين سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام من جانب، والهجرة والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس من جانب آخر أو بين الإنفاق قبل فتح مكة والإنفاق بعده لأن حاجة المسلمين إلى المال قبل الفتح كانت أشدَّ وهم في حاجه ماسّة إلى مساندة مادِّيّة ـ هو تفضيل بين عمَلَيْنِ أو واجبين عامَّين، يعود أثرهما على المجتمع والأمة ومبادئ المجتمع وأهداف الأمة ورسالتها. وهما نَوْعَان أداء الواجبات فيهما لا يرتبط بذوات الأشخاص كأفراد معيّنين وهم ممّن بلغوا سِنَّ التكليف، بل ترتبط بالأمة عامة. بحيث لو أدّاها بعض أفرادها سقط الأداء عن الآخرين فيها.
والفقهاء يعبِّرون عن العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحجِّ بفرض العَيْن، أي التي تُفرض على كل فرد بعينه، والمسؤولية في أدائها مسؤولية شخصية.
ويعبّرون عن الواجبات الأخرى كالجهاد في سبيل الله والإنفاق في سبيل الله بفرض الكفاية، أي التي تفرض على الأمة ككل والمسؤولية في أدائها مسؤولية جماعيّة، بحيث لو أدَّاها البعض سقط وِزْر عدم الأداء عن الباقين.
وخلاصة الجواب على هذا السؤال هو أن المجاهد في سبيل الله يكون بجهاده ـ وليس بصلاته وصومه ـ أفضلَ من غير المجاهد. وهذا معناه أنه لو جاهد، ولم يصَلِّ ولم يصُم مع استطاعته بدنَيًّا الصلاة والصوم يكون مأجورًا بجهاده، وآثِمًا في الوقت نفسه بعدم أداء الصلاة والصوم.