هذا الصنف مِن الناس يُسميهم القرآن الكريم بالبخلاء.. ويترقَّب لهم المشقَّة في حياتهم يدخلون في أزمة، ولا يَنتقلون منها إلا إلى أزمة أخرى فأزمة النفس أولًا بسبب الخشْية على المال: يُسيطر عليها القلَق وتوتر الأعصاب كما يُسيطر عليها التردُّد عندما تَضطره حاجة البدن إلى الإنفاق منه وأزمة العلاقة بينه وبين الآخرين في أسرته من زوجته وأولاده، وبينه وبين الآخرين وراء الأسرة، وهي علاقة يَشوبها من جانبه عدم الاعتماد على مَن عداه، والخوف على ماله ـ وهو مَعبوده ـ منهم، سواء في توقُّع اعتدائه عليه بالسرقة، أو في مُطالبته بالإنفاق عليهم.
أما علاقة الآخرين نحوه مِن ذويه، أو مَن عداهم فهي علاقة يسودها الحقد مِن جانبهم عليه، والتربُّص به وبماله، وازدراؤهم له وإهانتهم إياه بسبب بُخله.
وحياة البخلاء إذنْ هي حياة قلَق نفسيٍّ، وخوف مستمر، وعدم ثقة بالآخرين .. حياة يُحيطهم الناس بالحقد، والكراهية، والمهانة، يتحدث عنهم القرآن في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) . (الليل 8 ـ 11) .
أي واستغنى بماله المُدَّخَر عن الناس، كما استغنى به عن ربه .. أما استغناؤه عن الناس: فلأنه لا يرى له حاجة إليهم، طالما ماله أمامه؛ ولذا لا يَستجيب لنِدائهم ولا لضَروراتهم، وأما استغناؤه عن ربه؛ فلأنه يترك هداية الله للإنسان التي تدعوه إلى الإنفاق في سبيل الخير.
وهذا المُستغني ببُخله عن الناس، والله معًا: هو في واقع أمره يُكذب الآثار الطيبة التي تترتب على إنفاق المال في سبيل الله أو سبيل الآخرين مِن أصحاب الحاجة، يكذب بما يتركه إنفاق المال على الأسرة والأولاد في سبيل تنشئتهم وتعليمهم، وسدِّ حاجاتهم دون أن يدفعهم إلى المَشقة والتعنُّت في حياتهم.