ولو حُملت على أن تكشف حقيقة رغبتها في عَلاقتها بالرجل فتدفع هي إليه المهر مثلًا ـ دونه ـ وتُعَبِّر بذلك صراحةً عن طلبها إياه، لأصبحت مُبْتَذَلة في نظره، ولخفَّ وزنها في نفسه، وربما يَنصَرِف عنها في سِنٍّ مُبَكِّرة من حياتها. وكثرة إلحاح المرأة في الحضارة المعاصرة، في عِرْض نفسها على الرجل ـ باسم حرية المرأة، أو بأي اسم آخر ـ كان من الأسباب الرئيسية في قلة رغبة الرجل في المجتمعات الحضارية المعاصرة منذ الأربعين تقريبًا، في الاتصال بالمرأة، وميله إلى مباشرة اللِّواط، ثم انصراف المرأة بدورها إلى الاتصال بالمرأة مثلها، كذلك. ولقوة هذا الميل الانحرافي في العلاقة الجنسية بين النوعين ـ في ظل ما يسمَّى بالحضارة اليوم ـ أصبحت الاستجابة الآن إلى هذا الميل أمرًا مشروعًا في مجتمعات هذه الحضارة.
وإذا كانت نظرة الإسلام إلى المهر على أنّه تعبير فقط من جانب الرجل عن طلب المرأة في علاقة زوجية ـ وليس ثمنًا لسلعة ـ فإنه يكفي من قيمة المهر حينئذٍ ما يدلُّ فحسب على أنَّ الرجل ساعٍ لطلبها. ويُروَى في هذا الشأن عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قال:"إنَّ أعظم النِّكاح ـ أي الزواج ـ بركةً أيسرُه مَؤُونة". وفي رواية أخرى عنها:"أخفُّ النِّساء صداقًا ـ أي مهرًا ـ أعظمُهنَّ بركةً". وعن عقبة بن عامر أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال:"خير الصداق أيسره".
فالرسول ـ عليه الصّلاة والسلام ـ فيما يُروَى عنه هنا يدعو إلى التخفيف من المهر ومن مؤونة الزواج عامة. وهو إذ يدعو إلى هذا التخفيف لا يُرِيد أن يُثقل على الراغبين في الزواج، مادام أن الهدف من المهر كتعبير عن الرغبة في الزواج، يتحقَّق بالأقل منه.