وفي هذه الفترة كلِّها سيظل يجول بخاطره إحساس غامض نحو أسرته: والده ووالدته وأخواته. وسيزداد هذا الإحساس النفسي الغامض كلَّما مَرَّ الوقت على زواجه وفتَر انفعاله العاطفي نحو زوجته. وهو إحساس يقوم على عدم الوفاء لأسرته من جانب وعلى إلقاء اللوم في ذلك على والد الزوجة من جانب آخر، بحمله على الانفصال من والده. ولا تعلم عاقبة هذا الإحساس المظلم في نفس هذا الشاب. ولكن ظواهره على الأقل ستبدو في كآبته وتشاؤمه مرة، وفي ميله إلى الانتقام في صورة ما مرة أخرى، وفي احتكاكه في العلاقة الزوجية مرة ثالثة.
إنه شاب قد تجمَّد تطوره الداخلي باغتصابه وإغلاق مسالك التطور عليه في زيجة سريعة ومبكِّرة، إنه شاب قد وقف دون مسؤوليته كرجل في الحياة، وقُطِعَت عليه علاقته بأسرته الأولى، وقُيِّدت حركته بتصرف إنسان غريب عنه، وهو والد زوجته.
وكثيرًا ما تكون خاتمة هذه العملية في التغرير بعيدة عن الاستقرار، أو بعيدة عن النتائج المقدَّرة أصلًا من جانب أهل الزوجة، وهو سعادة البنت وسعادة أهلها.
أما والده فستكون خيبة الأمل له كبيرة. وبالأخصِّ إذا كان الشاب هو الوحيد أو أكبر أولاده في الأسرة. فالعادة أنَّ مثل هذا الولد بعد اللحظات التي تمرُّ على ولده في حياته الدراسية إلى أن يتخرَّج ويَلْتَحِق بعمل ما. وعندئذٍ تكون فرصتُه الكبرى أن يُشارِك في تأهيله وتكوين أسرة جديدة له، تكون خَلَفًا له ولأسرته من بعدُ. فإذ يجد هذا الأمل ينهار دفعة واحدة وبتصرف أجنبيٍّ عنه في مُستَقْبَل ابنه بغير رضاه، فإن وَقْع ذلك نفسيًّا عليه ليس بالأمر الهَيِّن. وربَّما يُصاب بسبب ذلك بعلّة تقضي عليه. وإنْ لم يُصَب بمثل هذه العِلّة فالقلق يسيطر على حياته والتشاؤم يملِك عليه أمر نفسه، وينعكس ذلك كله على أسرته وأفرادها.