إن السائل لم يرتكِب في واقع الأمر جريمةَ الزِّنا وَحْدَها، وإنَّما ارتكب معها جريمتين أخْرَيين:
أولاهما: إغراء امرأة مُحصَنة والمرأة المُحصَنة هي المتزوِّجة وإيقاعها في الإغراء يُضاعِف العذاب للطَّرَفينِ.
وثانيهما: هدْم كيان أسرة قامت على كتاب الله وسُنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطلاق الزوجة مِن زوجها.
وأمام إرادة الله في غفرانه لمَن يشاء لا تقف عقبةٌ ما فهو القائل: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ومَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء 48) .
فالشِّرك بالله وحده هو الجريمة التي لا يَغفرها إلا تحوُّلُ المشرك بالله إلى الإسلام أما ما عدا ذلك فسبحانه يقبل التوبة عنه.
والتوبة ليست صلاةً خاصة تُؤدَّى.. ولا صومًا مُعيَّنًا يُكفِّر به المذنب عن ذنبه... ولا صدقةً بمال يُخرِجُه فاعل الجريمة عوضًا عن جُرمه كما يُشير السائل في سؤاله.. وإنَّما هي تحوُّل إلى الله وإصرار على عدم مباشرة الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وندم على ما مضى من الذنوب بحيث يكون وَضْع النَّدم والإصرار على عدم مباشرة المنكَر حالة تُلازِم التائب مُستقبلًا في سلوكه وتصرُّفاته.
ليستْ التوبة أمرًا مُؤقَّتًا ينتهي بالكفِّ عن الجريمة، ويتجدَّد كلما تجدَّدت الجريمة وإنما هي انتهاء مِن حال خاصّة لا تعود إليه النفس أبدًا ـ وهو حال مخالفة الله فيما أمر أو نهى ـ والانتقال إلى حال آخر مستمِرّ، وهو حال البقاء في طاعة الله والخشية منه.
والذين يظنُّون أن التوبة مِمْحاةٌ يَمْحُون بها الخطأ كلَّما وقع يُسيئون إلى الإسلام ذاته، فالإسلام لا يعرف صُكوك الغفران... إنَّما يعرف شيئًا واحدًا فقط هو أن المسلم هو مَن سَلِمَ الناس مِن أذاه.. وسلم هو من شَرِّ نفسه، والأذى كما يكون أذى مادِّيًّا يكون أذًى معنويًّا كذلك.