... وكذلك الأمر مع الأولاد. فإنِ استغرق الوالد في العمل، وحجَبَه هذا العمل عن الأولاد فترة طويلة: فإنهم يُصبحون أجانبَ عنه في الشعور والإحساس: لا يُحسون بمَيْلِ بُنوَّتهم له، وإنْ أحسَّ هو بمَيل الأبوة إليهم، والعلاقة بينه وبينهم عندئذ علاقة غير مُتوازية، فإنْ وقع ما يزيد في القطيعة والفجْوة بينهم وبين والدهم كان تأثُّرهم سلْبِيًّا بما يقع أكثر مِن تأثُّر أبيهم به، كما حدث هنا في الانصراف عن الوالد عندما غضبت الأم ـ وهي زوجته ـ منه، وحرَّضت الأولاد ضدَّ أبيهم، فاستجابوا لها، تحيُّزًا لها أو دِفاعًا عنها. وبسبب الأولاد، ومِن أجلِ مستقبلهم تَرتكب هنا الأم أو الزوجة خطأً كبيرًا، عندما تُحرِّضُهم ضدَّ والدهم؛ لأنها غاضبةٌ عليه أو غير راضية عنه، فالأولاد يجب أن تكون تربيتهم للوالدينِ معًا.. يجب أن يُنَمَّى فيهم معنى العاطفة، ومعنى الرعاية: نحو والدتهم ونحو أبيهم بدُون تَفرِقة، إنَّ التربية الحزبية والتوجيه لأحد الأبوينِ ضارٌّ بالأولاد، وبصاحب النفوذ في التوجيه كذلك، فالأم هنا لا تدري، ماذا يَكشف عنه الغدُ لها إذا كبُر الأولاد وتزوَّجوا: أتَظلُّ أُمُّهم صاحبَ السلطان عليهم، أمْ أنَّ أُسَرَهم تجذبهم بعيدًا عن نُفوذها وربما تبقَى وحدها عاجزةً.
... ولكنه الحُمْق عند الغضب هو الذي يدفع أحد الوالدينِ إلى التوجيه نحو طرفٍ مِن الطرفينِ، إنْ كان الأب، أو الأم، ولهذا ينبغي أن لا تَشْتَطَّ الأم في تجنِيب الأولاد.. وإبعادهم عن أبيهم، فموقف اليأس الذي يَقفه الأبُ الآن يرجع معظمه إلى تحيُّز الأولاد نحو أمهم.. وضدَّه هو.