وَرد في القرآن أيضًا في سورة الصافات قول الله تعالى: (وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرونَ) . أي لقد علمت الجِنّة أن المشركين لَمَسُوقون إلى جهنم. (الصافات: 158) . ولقد جاءت هذه الآية عقب ادِّعاء مُشركي مكة ـ وذكر هذا الادعاء في الآيات في السورة نفسها ـ أنَّ الملائكة بنات الله، في قوله تعالى: (فاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ ولَهُمُ البَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِنَاثًا وهُمْ شَاهِدُونَ. أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبونَ) . (الصافات 149 ـ 152) . فإذا قالت الآية بعد هذا الدعاء: (وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنّةِ نَسَبًا) . فالمعنى أن المشركين بمكّة في ادعاءاتهم الباطلة جعلوا بين الله والملائكة نسَبًا، على اعتبار أن الملائكة بنات الله. وعبَّر القرآن هنا بالجِنّة. ويقول الزمخشري في تفسيره"الكشّاف"عند ذكر هذه الآية: وجعلوا بين الله وبين الجِنّة وأراد الملائكة (نَسَبًا) وهو زعْمهم أنَّهم بَناته، والمعنى: جعلوا بين الله بما قالوا نِسبةً بين الله وبينهم وأثبتوا له بذلك جِنْسيَّةً جامعةً له وللملائكة. فإن قلتم: لِمَ سمَّى الملائكة جِنّة؟ قلتُ: قالوا: الجنس واحد ولكن مَنْ خَبُثَ من الجِنَّ ومَرَدَ كان شرًّا كله فهو شيطان، ومن طَهُر منهم ونسَك وكان خيرًا كلّه فهو مَلَك. فذكَّرهم في هذا الوضع باسم جِنْسِهم. (الجزء الثاني: ص: 272 الطبعة الأولى المطبعة الشرفية) .