وهذا بحُكم الفِطرة البشريّة، فصَدُّها عن الزواج بكُفْءٍ لها ـ كما تعتقد ـ يُثير في نفسها الحقد على أبيها؛ لأنَّه منَعَ عنها مَن ترضاه بسبب شخصيٍّ، وهو كراهيته لأمّها وأقاربها، ومصائر الشباب الأولاد لا يُبَتُّ فيها بالعاطفة وحدها، كما يُجسِّم هذا الحقد عندها أنَّها لا تَرى منه طول حياتها ما يدُلُّ على عاطفة الأُبوّة نحوها.
فهي لا تذكُر له مرة واحدة أن سأل عنها أو جامَلها بزيارة أو هدية أو عُنِيَ بشأن مِن شُئونها وهي تلميذة أو طالبة، وتذكر بالخير لوالدتها اهتمامَها بها وأنَّها كرَّست حياتها ووَقْفتها على تربيتها وحرَمت نفسَها من حياة زوجية أخرى تتطلّع إليها عادةً من هي في سِنِّها بعد الطلاق.
أليس الأولَى للوالد الآن أن يكسب ابنته بعد أن لم تَرَ منه في الماضي الطويل صورة من صور العاطفة الأبوية، وبذلك يُقنِعها بأنها لم تزل في رعايته؟ وسهل عليه أن يفعل ذلك إنْ هو تناول موضوع مُستقبلها مع خطيبها المهندس بصورة جِدِّيّة مجرّدة عن إحساس الكراهية لأمِّها.
إنَّ الآباء يجب أن يكونوا كبارًا في المعاملة لأبنائهم وفي النظرة إلى شئونهم .. يجب أن يبتَعدوا عن ضيق الأفق والحساسية التي تسبِّب لهم ضيق الصدر.
أمّا الحُكم الشرعي الذي تطلبه السائلة منّا هنا: وهو جواز عقد قِرانِها متجاوزة برأي والدها في خطيبها هنا وبدُون اعتماد على ولايته، فرأي أبي حنيفة أنّه لا يُشترط الولي مُطلقًا في عقد النكاح ومعنى ذلك أنها ليست في حاجة إلى مُوافقة والدها ولا إلى ولايته في العقد بل لها أن تُوكِّل غيرَه فيه، ولها كذلك أن تزوِّج نفسها لحديث:"الثَّيِّب أحَقُّ بنفسها"..
وتُقاسُ البِكْر على الثَّيِّب في الحكم هنا ويؤوِّل الحنفية من أجل ذلك الحديث الوارد عن
عائشة ـ رضي الله عنها ـ فيما ترويه عن الرسول ـ عليه السلام ـ في قوله: لا نِكاح إلا بولِيٍّ".. بمعنى لا نِكاح كاملًا إلا بولِيٍّ."