والإسلام ـ إذن ـ يُلزم الأمّهاتِ الوالداتِ والمطلَّقات في الوقت نفسه بإرضاع أولادهن من أزواجهن الذين انتهت علاقتهن الزوجية بهم، لمدة عامين.. وبذلك يُضْعُهُنَّ من جديد في خدمة هؤلاء الأزواج السابقين لمصلحة الأولاد من الجانبين. وإذ يصنع ذلك فإنه يرى لِلَّبنِ الأم فائدة في تربية طفلها الذي وَلَدَتْه على الأخص. وهى ليست فائدة مادِّيّة تعود على نمُوِّ بدنه ووقايته من كثير من الأمراض والتوعُّكات فحسب، بل فائدة نفسية.. فائدة إنسانية بشرية. وهى أن الأمَّ تنقل إلى طفلها ـ أو إلى أي طفل أخر تُرضعه منها ـ مع اللبن كغذاء طبيعي: العواطفَ الإنسانية والمعانيَ البشرية الخاصة، من تبادُل الحَنان.. وتبادُل البَسَمات.. وتبادل القيمة بالكائن الإنساني الجديد. فيشِبُّ هذا المولود الصغير وهو يُحِسُّ بكِيانه في المجتمع على أنه عضو فيه؛ لأنه عضو ملحوظ بالرعاية في الأسرة وفي حضانة الأم له. كما يتجاوز بالحنان والبسمات وبالقيمة الإنسانية المتبادَلة غير أمِّه، ممن يعيشون في مُحيطه من الآخرين صغارًا وكبارًا على السواء. وهو إذن ليس معزولًا، ولا منبوذًا، ولا متشائمًا، ولا مُحِسًّا بنقص في اعتباره البشريِّ.
هو طبيعي في استقباله المجتمع، وفي حياته فيه، وفي نظرته إلى الحياة والإقبال عليها؛ لأنه تعود في فترة السنتين اللتين قضاهما مع أمِّه يتغذَّى بلبنها ويلاحظ عواطفها ويتبادل معها الإحساس بالسرور وبالبِشر، ويُحسُّ بالاعتبار البشريّ الذي تمنحه هي له. وفترة السنتين كَفيلة بأنْ تُصبح هذه العواطف عادات لديه، وبأن تتبلور في سلوك لا شعوري في مواجهة الآخرين معه في الأسرة ثم في المجتمع.