لا شك أن حالة السائلة حالة نفسية، فهي الآن في سِنِّ الرابعة والأربعين وهي أرملة أو مُطلقة وأولادها تِباعًا سيَتركونها عندما يَتزوجون أو يفرُغون من دراساتهم، وسترى نفسها يومًا ما وحيدةً أو مَعزولة في الحياة، يُضاف إلى ذلك أن سنَّ اليأس تَزْحف عليها، وسنُّ اليأس هي السن التي تتصور فيها المرأة أنها الحد الفاصل بين ما مضى من حياة مليئة بالمرَح والنشاط والآمال، وبين آتٍ مُقبل يسعى بها إلى الشيخوخة ثُم إلى انقضاء الحياة. ...
وهي تُحسُّ الآن أن الحياة تمضي عنها، وهي في سن الرابعة والأربعين، وكان يُمكن أن تستمتع فيها بمُتع الحياة، وربما عندها مال وعندها أولاد، ولكن ليس عندها رجلٌ زوجٌ، وما يكون مَفقودًا لدَى الإنسان يتمناه أكثر ويُلحُّ في تَمنِّيه. ...
إنها سترى أولادها في يوم قريب؛ البنت لها زوج، والولد له زوجة، وكل زوج وزوجته يَعيشانِ حياتهما الخاصة بعيدًا عنها، ولهما أسرارهما، سترى الحياة أمامها، ومَن في سنِّها لم يزل يستمتع بحياة كانت تتمنَّى أن تكون مُشاركة فيها.
وهي عندما أقبلت على أن تُؤديَ الصلاة والعبادات الأخرى، بعد أن كانت لا تصلي ولا تصوم، وربما بعد أن كانت تفكر تفكيرًا يقوم على السخرية ممَّن يُؤديها ـ أقبلت عليها علَّها تجد فيها سبيلًا يُنسيها الحياة البشرية ومُتعها، أو يُغنيها عن التفكير فيما يَستمتع به الآخرون على مَقربة منها وليس عندها هي، أو علَّها تُحقق عن طريق العبادة لله هدفًا تُخفيه عن نفسها، فهي تعبد الله عندئذٍ على حرفٍ ولغايةٍ. ...
فلمَّا مرَّت السُّنون على صلاتها وعبادتها، ولم ينتهِ الصراع الداخلي في نفسها ـ وهو صراع مِن أجل ما فاتها وتَعويضه ـ أخذت تَضيق بأداء الصلاة؛ لأن أداءها لم يُفرِّج كُربتها ولم يُحقق لها أملًا حتى الآن.