إن طاعةَ اللهِ تُلزم المُؤمن به بسُلوك مُعيَّن، هو سلوك المُلتزِم لمَا يَأمُر به الله وينهَى عنه. والالْتزام يحتاج إلى صبر وجهادٍ نفسيٍّ. ومعنى جهاد النفس ضبْطُها في تنفيذ رَغباتها وجعْلُ ما تُحققه من رغبات مُلائمًا لأمْرِ الله ونَهْيه. والنفس البشرية بحسَب استعدادها قد تَميل إلى الاستقامة، وعندئذٍ لا يكون جهادُها شاقًّا. وقد تَميل إلى الفجور والانحراف عن خط الاستقامة وعندئذ يكون جهادها صعْبًا ويَلْقَى صاحبُها عَنَتًا (ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا) أي: فأعدَّها للخروج عن الاستقامة، كما أعدَّها للخشْية مِن الله وتجنب الآثام والمعاصي (قد أفلَحَ مَن زَكَّاها) أي قد نجح في حياته وعند الله مَن عاون نفسه على الاستقامة (وقد خابَ مَن دَسَّاها) (الشمس:7 ـ 10) أي: وقد أخفق في حياته وعند الله مَن تستر على نقائِصها ولم يُوجِّهُها التوجيه السليم. هذا تصوُّر القرآن الكريم للنفس البشرية، وأنها قد تَنْحرف وقد تستقيم.
والسائل عندما عاد مِن جنازة صديقه وزيارته لقبره، واتَّجه إلى الله في عبادته واستمع لآياته في قُرآنه، واستراحت نفسه واطمأنت لمَا كان يسمعه مِن كتاب الله ـ كان واقعًا تحت تأثير العِبرة الوقتيَّة من الموت، ولكن زحمة الحياة البشرية في المجتمع وما فيها من مُغريات كان يشدُّه إليها، وعندئذ ابتدأ الصراع النفسي المرير الذي يتحدث عنه السائل، وهو صراعٌ بين طرفين:
الطرف الأول: الالتزام وحمل النفس على مُساوقتها في السلوك لأوامر اللهِ ونواهيه وجِهادها في ضبطها بعيدًا عن الانحراف.