والإنسان عادةً يَطغَى إذا ظنَّ أنه استغنَى بعَصبيته أو بقُوته المادية أو بماله أو بصِحته وعلمه عن مولاه ـ جلَّ جلالُه ـ فيعبد المال والعصبية ولا يَعبد الله، ومعنى عبادته للمال والعصبية أن يجعل اعتماده على أيٍّ منهما، دون أن يعرف الله ويتوكل عليه، فيَظلم في سبيل المال، ويَعيث في الأرض فسادًا عن طريق العصبية. ...
والإنسان في حياته مُخيَّر بين أن يكون مِن عباد الله مؤمنًا به، وبين أن يكون من أنصار الطاغوت والظلم والفساد والعُدوان، بين أن يكون مِن أولياء الله أو أولياء الشيطان (لا إكْراهَ في الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) ومَن يكون من أولياء الله ـ أي من المؤمنين به ـ يعيش في نور الهداية بعيدًا عن الانحراف في السلوك والاعتقاد. ومَن يكفر بالله ويكون من أولياء الطاغوت ـ أي من أتباع الهوى والشهوات ـ يعيش في ظُلمة الأهواء إن تصرَّف أو اعتقد. (الذينَ آمنوا يُقاتلونَ في سبيلِ اللهِ) (النساء: 76) أي يَسعَونَ ويُجاهدون في تحقيق ما جاءت به رسالة الله (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) أي: يَسعَونَ ويجاهدون في سبيل الظلم والفساد والاعتداء، أي يؤيدون كلَّ مسعًى يوصِّل إلى الباطل ونُصرة الباغي في بغيه وعبثه.
والطاغوت أو الطغيان إذًا مرحلة مُمكنة في حياة كل إنسان، يُمكن أن يصل إليها إذا خدعته قوته في المال والرجال، أو اغْترَّ واعتزَّ بغير الله، أو اعتقد أنه إلهُ الأرض يَستقلُّ وحدَه بالسيادة فيها، على نحو ما تحكي هذه الآية مِن تصوُّر فرعون عن نفسه (وقالَ فرعونُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمتُ لكم مِن إلهٍ غَيرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هَامَانُ علَى الطِّينِ فاجَعَلْ لي صَرْحًا لعلِّي أَطَّلِعُ إلى إلهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ) (القصص: 38) .