... ولا ينجح فردٌ يُخلف في الموعد. ولا ينجح مجتمع يتعاملُ أفراده على أساس الخُلْف في الموعد، والوعْد. وكان يُقال في التعبير عن بعض تقاليدنا التي صاغتْها التعاليم الإسلامية:"وَعْدُ الحُرِّ دَيْنٌ علَيهِ".. والوعْد هو وعْدٌ في الزمن بتحديد الوقت.. ووعْد في العطاء بتوقيته بالحاجة أو بالضرورة، فالحرُّ، وهو لا يُقَيَّد في التصرُّف، ولا فيما يُنسب إليه على العُموم: بوَصِيٍّ أو سيد، أو رئيس، إذا أعطَى وعدًا أو موعدًا فانه يلتزم الْتزامًا أدبيًّا أمام نفسه، والْتزام مسئولية أمام الله، بالوفاء بما وعد، أو تواعَد عليه.
... والسائل إذَا أشار في سؤاله إلى أنه قد يُخلف الموعد أو ما وعَد به لسببٍ خارج عن إرادته، فالسبب قد يكْمُن فيمَن يعمل عنده أو معه من العمل، فالعامل في مجتمعنا ـ حتى ولو كان ذا مهارةٍ فائقة ـ ينشأ على الاستهانة بما يكون لصاحب العمل عنده، وعلى الحساسية الشديدة بما يتَّصل بذاته، ولعل مصدر الاستهانة والحساسية بما يتصل بذاته، عنده وهو: أنه في تنشئته كصبيٍّ في العمل إلى أن أصبح عاملًا: كان يُهانُ، ويُشْتَمُ.
... وقد يُضرب مِن رئيسه في العمل، أو مِن صاحب العمل نفسه، وعن القَسْوة أو المذلة والإهانة له يكون عنده نوع من العناد، وهو العناد الذي يتمثَّل فيه الدفاع عن النفس.
... هذا العناد، أو الحرص على كرامة الذات في مبالغة وغُلُوٍّ، هو الأمر الذي يجعل العامل المصري لا يَحفل بالمواعيد التي يُعطيها رئيسه إلى الزبائن، أو يُعطيها هو نفسه إليهم، واستهتار العامل بالآخرينَ، كسبيلٍ إلى الارتفاع بقدْر نفسه، هو الذي يُخِلُّ بالمواعيد وبسبب عدم انتظام العمل، وعدم الوفاء بالوعْد في وقته، والموعد في دقته.