وجاءت الآية بعدها: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنونَ) (الدخان: 12) . أي إِنَّا نؤكِّد لك أننا سنؤمن لو كُشِفَ عنَّا العذاب. جاءت هذه الآية تُشير إلى ما وعَد به أبو سفيان ونفر معه في لقائه ـ عليه السلام ـ من الإيمان، بعد كشف العذاب عنهم.
ولكن ليس من السهل على مَن استغرَق في المادِّيّة والشرك أن يتخلَّص منها ويَنْتَقِل فجأةً إلى الرُّوحِيّة والإيمان بالله وحده. وإنما كثيرًا ما يَغلِب عليه الوضع ويَجذِبه إلى الرسوب فيما استقر فيه وأنِس إليه. وهنا جاء قول الله ـ تعالى ـ بعد الآيتين السابقتين: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) (الدخان: 13ـ14) . ليُوقِف رسوله الكريم على خصائص هذا الوضع، كي لا يؤمِّل كثيرًا في إيمانهم برسالته. إذ معنى ما جاء هنا في هذه الآية: أن هؤلاء قوم لا يَتَّعِظُون بالعِبَر ولا بالنِّعَم. فأين تكون نعمة كشف العذاب عنهم بسبب الجدْب والقحْط من نعمة الرسالة إليهم التي جاء بها الرسول رحمة لهم ولمَن عداهم؟ وكان موقفهم من هذه الرسالة: أنّهم أعرَضوا عنها واتهموه ـ عليه السلام ـ بأنه تعلَّمها من غلام أعجمي"لثقيف"وبأنه كذلك أصابتْه لُوثة من الجنون. فهذا يدلُّ على أن توسُّلهم يعبِّر فقط عن حال مؤقّت لا يلبث أن يتبدّل من جديد. ولهذا تُشير الآية الأخرى بعد ذلك: ( إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدونَ) (الدخان: 15) . أي إذا ما كشف العذاب وأبعد القحط والجوع عنكم لا تَلْبَثون إلا قليلًا.. أي إلا ريثما يكشف عنكم، ثم تعودون إلى ما كنتم عليه.