ومن جهة أخرى فإمام المسجد من علماء الأزهر، وداعيةٌ إلى الله، ولا يَليق بأيِّ واحدٍ مِن علماء الأزهر: أن يُقصِّر في حفظ القرآن الكريم، فجزء أساسي في انتساب العالِم إلى الأزهر هو إجادة تلاوة كتاب الله، وإجادة حِفْظه، والداعي إلى الله لا يَنجح في دعوته إلى كتاب الله ـ وهي رسالة الرسول محمد ـ عليه السلام ـ إلا إذا حفِظ كتاب الله، ونَقل عنه في أحاديثه ما يَحفظه منه، دون مراجعة له. ...
والوعْظ ليس حِرْفةً، والإمامة ليست مِهنةً يُؤْجر عليها الواعظ والإمام. هي رسالةٌ يُؤديها مَن امتلأ قلبُه بالإيمان، وأحبَّ الدعوة إلى دين الله. فالله ـ سبحانه ـ عندما يقول: (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أمةٌ يَدْعُونَ إلى الخيرِ ويَأمرونَ بالمَعروفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُولئكَ همُ المُفْلِحُونَ) . (آل عمران:104) ، لم يَربط"الفَلَاح"في أمة الدعوة بأن تُؤدَّى الدعوة إلى دينِ الله كحِرْفة أو مهنة، ولكن بأن تُؤدِّيها عن إيمان القلب، وحُسن تطبيقٍ لمَبادئها. وليس من حقِّ التطبيق للداعي إلى رسالة الله: أن يكون غير مُجيدٍ لحفظ القرآن وتلاوته، وكل شيء يجوز أن يكون مهنة أو حِرْفة عدَا رسالة الله، وإلا إذا اتَّخذها الإنسان حِرْفة أو مِهْنة أصبحت وسيلةً لغايةٍ أخرى، وليست غايةً في ذاتها.
والإمام الذي يأخذ أجرًا على وظيفة المسجد، والواعظ الذي يأخذ أجرًا على وظيفة الوعْظ: هو في واقع الأمر لا يأخذه على إمامة الصلاة، أو على العِظة التي يُلقيها وإنما الأجر هو مُقابل الانقطاع لخدمة الدعوة. أمَّا الدعوة نفسها فليس لها أجرٌ ماديٌّ إنما أجرها عند الله. وبهذا يأمر القرآن رسولَه أن يُبلغ قول الله ـ تعالى ـ في شأن الدعوة إلى الحق (قُلْ لا أَسألُكمْ عليهِ أجْرًا إنْ هوَ إلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) . (الأنعام: 90) ، فليس تبليغ القرآن للناس ممَّا يُؤْجَر عليه منهم.