مطلوب من المؤمن أن يُجاهد نفسه، أن يجاهد دون أن تغلب شهوة بطْنِه أو فرْجه عليه. ومجاهدة النفس صراع بين طرَفين: بين الشهوة التي تدفع إليها الغريزة، وبين الهداية التي تدفع إليها رسالة الله. ورسالة الله هنا تدفع إلى عدم الاستسلام إلى إغْراء الشهوة، سواء أكانت شهوة البطن أو شهوة الفرج.
وعبادة الصوْم فُرضت لتُدَرِّب الإنسان الصائم على عدم الاستجابة لإغراء الشهوة أيًّا كان مصدرها. فالصائم في صوْمه يُصارع ضدَّ شهْوته ورغباته: يُمسك عنها، ويَحول دون أن يتحقَّق ميْل النفس إلى ما تَشتهيه.
ومُجاهدة النفس هي الركيزة الأولى في الإيمان والتديُّن، ومَن لم يستطيع مُجاهدة نفسه يظلُّ إيمانه على هامش حياته، كما يكون تديُّنه شكْلًا لا جوْهر له. ...
وكلما كان الجو الذي يعيش فيه المُؤمن مليئًا بالمُغريات، ومُيَسَّرًا للإنسان فيه ارتكاب الفاحشة أو المنكر، كلَّما كان جهاد النفس شاقًّا، وكلما كان ثوابه عند الله أعظم. ...
جهاد النفس لا يعرف التراخي، ولا يعرف الحلَّ الوسط، ولا يعرف التأجيل. فمَن يُرِد ـ مثلًا ـ أن يُجاهد نفسه ضدَّ مُنكر ما، أو ضدَّ فاحشة، فعليه أن يُمسك من فوْره عنها. وأن يعمل على إزالتها لو كانت بين يديه، فمَن تعوَّد التدخين ويُريد أن يجاهد نفسه ضده فعليه في الحال أن يتخلص ممَّا معه بصورة نهائية. ومَن تعوَّد شرب الخمْر وأراد أن ينتهي عن الشراب ويجاهد نفسه ضده، عليه أن يَسكُب على الأرض في غير إرجاء ما يكون لدَيه منه. وهكذا في مباشرة العادة السرية، أو في مباشرة فاحشةَ الزنا يَحزم أمر نفسه بإرادته القوية في الامتناع عن مباشرة أيٍّ منهما، ولو كانت النفس قد تهيَّأت للمُباشرة بالفعل، ولو كانت الظروف قائمةً لتنفيذ المباشرة. ومَن يُرجئ الامتناع والإمساك عن المُنكر أو الفاحشة إلى وقتٍ آخر مُستقبلًا، حتى يُتيح لنفسه استغلال الفرصة العاجلة بين يديه، لا يكون وضْعه وضْع مَن يجاهد نفسه، بل