ورأس المال الحرام قائم على الفائدة الربوية على القروض التي تمنحها البنوك للمشروعات الصناعية والتجارية والزراعية، فهل الأخ الأكبر يَقيس ـ مثلًا ـ تعلُّم الطالب أساليب المُحاسبة وإدارة الأعمال في كلية التجارة، ثم مُزاولة العمل التجاري والمالي في البنوك والشركات على الساقِي الذي يُقدم الخمر لشاربها؟ وساقي الخمر وشاربها كلاهما مَلعون عند الله! ولكن هناك فرْق بين الوضعينِ، وهو أن ساقيَ الخمر مشترك في مباشرة جريمتها وهي تناولها، والمُحاسِب لا دخل له في جريمة الربا إذا قام بالأعمال الحسابية لبنك بالربا ـ مثلًا ـ فجريمة الربا تقع من صاحب المال المُقْرِض بالفائدة المُحدَّدة لصاحب حاجة إلى القرض، فهي تقع وإنْ لم يُساعد على ضبطها بالكتابة والحساب أحدٌ غير المُقرِض ذاته، جريمةُ الربا جريمةُ استغلال حاجة الغير إلى القرْض، ولا دخلَ لمَن يتعلَّم الحساب أو يُباشر المُحاسبة في هذا الاستغلال. ...
فمواد الدراسة في كلية التجارة تُعين المتخرج فيها على إدارة الأعمال والقيام بالمحاسبة في البنوك والشركات والأعمال الخاصة، وليس مِن الضروري أن يُباشر كل مُتخرِّج رَصْدَ الفائدة الربوية في محاسبةٍ ما. والعامل الرئيسي في إنقاص المُعاملات الربوية هو إيمان أصاحب رءوس الأموال بإخراج زكاة المال ثم الابتعاد عن استغلال الضعفاء وأصحاب الحاجة، فإذا نَمَتْ روح التعاطُف بين الناس ضعُف روح الاستغلال، وبالتالي ضعف التعامل بالفائدة الربوية. ... ...
ولو فُرض أن كليات التجارة أغلقت جميعها لم يكن نتيجة إغلاقها وقْف التعامل الربا، وإنما أُولَى النتائج لذلك خسارة كبيرة في ضبط الأعمال التجارية والمالية والمحاصيل الزراعية.
ومُباشرة ضبْط الفائدة الربوية في أعمال البنوك والمصارف والأعمال الخاصة لا يُمكن أن ندَّعِيَ أنها حرام؛ لأنها أولًا لا تُقدم ولا تُؤخر في إضعاف روح الاستغلال عند المُقرِضين بالفائدة. وقيام البنوك