الشاب الحائر يبدو أنه في إيمانه بالله وبالقيم الإنسانية التي جاءت بها رسالة الهُدَى كان مُنصرفًا وغير عابئٍ بمُتع الدنيا وزينتها إطلاقا، وكان يخشى أن ينظر إلى مُتعة مادية في المال أو في المرأة، أو في الجاه.. أو في الأكْل والشُّرب وما تَشتهيه النفس بإلْحاح، فضْلًا عن أن يسعَى إلى الاستمتاع بها، كان يعيش في عُزلةٍ نفسيةٍ وفِكريَّة عمَّا يجري في حياة المجتمع الذي نشأ ويُوجد فيه الآن، كان لا يَرتبط في نفسه بشيء آخر ماديٍّ وراء إيمانه بالقيم العُليا، وكان لا يَرتبط في تصوُّره للحياة إلا بما يؤمن به مِن قِيَمٍ عُليا إنسانية فقط، وبسبب هذه العُزلة النفسية كان يعيش في وئامٍ مع ما يُؤمن به، يَتصور السُّمُوَّ كل السمو في قيم الروحية فيَصعد إليها بالإيمان ويَبتعد عن واقع الحياة تَمامًا، وبِصُعوده إلى مجال القيم الروحية العليا يبتعد عن واقع الحياة، وهو واقع يمرُّ به، ولكن لا يَلتفت هو إليه، وعلى أيةِ حال إنْ لم يكن هناك وِئامٌ قائم بين ما يَتصوَّرُه في إيمانه وبين السلوك في الحياة التي يَعيشها، فليس هناك اصْطدام على الأقل بين الطرفين: الإيمان بالقيم الروحية العليا في نفسه كطَرف.. والحياة التي يَعيشها في تصوره وفي عُزلته عن الواقع تحت قدميه.