... وكان المنتظر مِن الزوج وقد مرِض زمنًا طويلًا، أن يعرف الله، وأن يُحسَّ بوُجوده قريبًا منه، وأن يَهَبَ بقية حياته لشُكره ـ جل جلاله ـ على الشفاء والعودة إلى مُباشرة العمل في صحة وفي وضْع طبيعيٍّ، ولكنه يتجافَى عنه ويُنكره فلا يُصلي، ولا يصوم.. ويَطغى بصحته اليوم وينسى ما كان فيه بالأمس، وذلك شأن الإنسان غير المؤمن: (كَلَّا إنَّ الإنسانَ ليَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) . (العلق: 6ـ 7) . فإحساسه بالصحة اليوم يُطغيه ويُوهِمه بأنه ليس في حاجة إلى موجود آخر، ولو كان الله نفسه، ولا يدري أن الإنسان بطبيعته غير ثابتٍ على حالٍ واحدة: يكون اليوم ثَرِيًّا، وغدًا فقيرًا، ويكون اليوم صحيحًا مُعافًى، وغدًا مَريضًا هزِيلًا، ويكون اليوم شابًّا قويًّا.. وغدًا شيخًا ضعيفًا.. فطغيان الإنسان عندما يحس بالاستغناء عن الآخرينَ، ظاهرةٌ تتصل بطبيعته الإنسانية، إذا لم يُهذبْها الإيمان بالله، ولذا يُقسم الله ـ سبحانه ـ بأن الإنسان في خُسْرٍ وضياعٍ إلَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيقول:
(والعَصْرِ إنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بالحَقِّ وتَوَاصَوْا بالصَّبْرِ) . (العصر) .. أيْ أن شأن الطبيعة البشرية تسوق الإنسان إلى الخُسران عن طريق الطغيان بالمال.. أو بالصحة.. أو بالعصبية والأولاد.. أو بالجاهِ والسلطان.. ولكن المؤمن بالله الذي يُقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان هو بمَنجاةٍ مِن هذا الخسران.
... وإذا كان الزوج ـ بعد أن استعاد صحته ـ ولَّى هاربًا من عبادة المولَى ـ سبحانه ـ الذي أنعم عليه بالشفاء، فليس بمُستغرب عليه: أن يهرب من زوجته التي مرِضت وأعجزتْها الشيخوخة عن العمل، وأصبحت لا تُغريه كامرأة يُعاشرها.