ليس هناك حرَج على الوالدينِ في أن تكون عاطفتهما نحو البنت الأصغر سِنًّا هنا، أكثر حَنانًا؛ لأن الإنسان لا يُطالَب بأن تكون عاطفته نحو أولاده في درجة واحدة، أو ذات مستوى واحد، فهذا أمر لا يَستطيع أن يتحكَّم فيه، وإنما هناك أمرٌ يُمْكنهما أن يتحكَّما فيه، وهو العدْل بين الأولاد: في المُعاملة، وفي القول، وفي إبعاد ما يُسيء، وفي إحساس المساواة، فالشاكية لو وَجدت مِن أبيها عندما تتحدث إليه، قَبولًا وإنْصافًا.. وعندما تُعبِّر له عن ألم نفسيٍّ أصابها بسبب مُعاملة واحدةٍ مِن شقيقاتها: اطمئنانًا لخاطرها، لمَا تبرَّمت بالحياة ولمَا تشاءمت فيها.
والعدل بين الأولاد في المعاملة النفسية، وبالأخصِّ إذا كُنَّ بنات، مصدر التعاطف والتَّحابِّ بينهنَّ مِن جانب، ومع الوالدينِ مِن جانب آخر.
البنت لا ترى في والدها أنه العائل لها فقط، وإنما ترى فيه سنَدها في الحِماية والوقاية. ولذَا تعتزُّ بحمايته لها أنْ أظلها بها. ولحظة أن تراه قد تخلَّي عنها تُحسُّ بظلام الحياة وبفراغٍ لا تستطيع أن تملأه مهما كانت لها مِن قوة أخرى.
... لا عوضَ مُطلقًا عن موقف الإحسان من جانب الوالد نحو بناته. فهو وحده الذي يُوقظ فيهنَّ الرضا بالحياة، والصبر على الآلام، إنْ كانت هناك آلام.
... وموقف الأب مِن الشاكية هنا لا ينطوي على ظُلم فقد ضدها. وإنما هو العامل الرئيسي في يأْسها ومُحاولة انتحارها، إذْ أنها اعتقدت أنها فقدت نَصيرها، ومهما كانت تُؤمن بالله. فالإيمان بالله في مثل هذه الحالة لا يَفعل فعْله؛ لأن الإحساس بظُلم الوالد قد ملأ على الشاكية فراغ نفسها، وهنا تُقدِم على التخلُّص من الحياة.