فإذا أُضيف إلى انقطاعها عن التعليم: عزْم أُسرتها على تَزْويجها من ابن عمِّها وهو غير مُتعلِّم كذلك: تكون قد تلاقت أُمِّيَّتُها مع أمِّيته، رغم أن إحساسها بالحياة، وفهْمها لاتجاهاتها، المُختلفة أعْمق وأدقُّ من نظيرتها. وبهذا العزْم على تزويجها من ابن عمها الأُمِّيِّ: حصلت لها الصدمة النفسية الثانية، وحزِنت حُزْنًا شديدًا. كيف يكون مُستقبل حياتها؟ إنها إذا انقطعت عن التعليم كانت تُؤَمِّل أن يكون رَفيقها في الحياة مُتعلِّمًا فتجد فيه شيئًا من العِوَض. أمَّا أن يكون رفيقُها في الحياة غير مُتعلم وغير مُثقف فذاك هو الطامة الكبرى بالنسبة لها في تصوُّرها. وهنا من كثرة تفكيرها ومِن كثْرة حُزنها على ما سيَلحق بها، أُصيبت بالشلَل في سَاقها اليُمنَى. ولكن شاء الله أن تبرأ منه. وهي إذْ تشكر الله على شفائها فإنها تَذْكر أباها دائمًا بالفضل على رعايتها.. كما تَشكر أخاها الأكبر على استمرار إنْفاقه عليها، بجانب أبيه. ...
فالسائلة مَهزوزةٌ نفسيًّا؛ لأنها صُدمت مرتينِ. مرةً عندما انقطاعها عن إتمام تعليمها.. ومرة أخرى عند اتفاق الأسرة على تزويجها من ابن عمِّها الفلاح. ولولا حياؤها الشديد.. ولولا احترامها العميق لأبيها.. ولولا أن حرْصها قويٌّ على بقاء سُمْعتها طيبة بين أهل قريتها: لأمكنها أن تُصرِّح برغبتها الحقيقية لأهلها. ...
ولكن كيف تُعلل الآن رفْضها للزواج من ابن عمِّها؟ أتقول: إنه حاول اغتصابها أكثر من مرة؟ أتقول أنه غير أمين على عرْضها في وقتٍ كان يجب أن يكون حريصًا كل الحرص على المُحافظة عليها؟
إنَّ أية بنت ريفية لا تستطيع أن تَحكي في وُضوح لأهلها: ما يكون قد وقع من محاولات غير شريفة من قريب لها. فما بالنا بهذه السائلة تَخشى أن تنقد أيَّ وضْع وتخشى أن تُعرِّض أيَّ واحد للحرج! وتخشى أن يَحتمل إنسانًا غيرها: وِزْرًا لها!