ولكن أَخْذَ السائلة هنا من مال زوجها بغير إذْنِه وإنْ كان لا ينْبَغي لمَا ورَد عن الرسول ـ عليه السلام ـ من قوله:"لا تُنْفِقُ المرأةُ من بيتِ زوجها إلا بإذْنه".. إلا أنه لا يُعَتَبَر سرَقةً؛ لأن شرط السرقة أن يكون المال المسروق في حِرْزٍ.. أيْ في مأمنٍ وفي بُعْدٍ عن أن تناله يدُ السارق. ومال الزوج هنا تحت يدِ الزوجة من السهل أن تأخذ منه.
والسائلة إذْ تَتَرَدَّدُ في إخْبِار زوْجها بما أخذتْه من مالٍ بغير علْمه، خَشْيَةَ أن يغضب: فالرأْي أن تقطع هذا التردُّد، وتُخبره بما تَمَّ.. وأنها كانت في حالة أوجبتْ عليها أن تدفع لشقيقتها جُزءًا ممَّا أَنْفَقتْهُ، قبل أن تَسْتَأذِنَ. ثُمَّ تَتأسَّفُ على عدم استطاعتها أن تأخذ الإذْن مُسبَّقًا. ثِقةً منها بِإِرَادَتِه الخيِّرة.. ورُوحه الطيِّبة في وُقوفه بجانبها. وقد ظَهَرَتْ هذه الروح منه عندما قال لها:"أنا أُسامح في كل شيء صدقةً عليه، ولو بِعْتِ ملابسي وتَصَدَّقْت بثمنها".. إنَّ هذا التعبير يَنُمُّ عن المستوى الفاضل للإنسانية الذي يَأْخُذُ الزوج به نفسه.وإذا كانت المَآسِي لها وجْهُهَا الكئِيب فقد تُخْفي تحت كآبتها: نُورًا من رحمة الله، فالسائلة قد حَزِنَتْ على وفاة شقيقها وَزَادت همومًا بتصرُّفها في مال زوجها، على نحو ما تصرَّفت، ولكن كان وَرَاء ذلك، تلك النفسية الكريمة.. وتلك الشجاعة القليلة بين الرجال.. وتلك المُروءة التي تجلَّت في موقف الزوج منها، عندما سألتْه المُساعدة في نَفَقة الوفاة لشقيقها. ...
إن هذا الموقف للزوج من السائلة يُوجب عليها أن تظلَّ أمينةً وفيَّةً له.. وأن تبذل كل جهدها في تَعْبيد الطريق له في الحياة.. أن تجعل منه أَخًا، وأبًا، بجانب أنه زوج لها، فهو قليل بين الرجال والأزواج في وقْتنا الحاضر. إن هذا الموقف كشف عن مَعدن الزوج، وهو معْدن ثمين بالنسبة للزوجة، فيه البديل عن الأم والأب، والأخ الشقيق لها. وما تسأل عنه