والسائل هنا ـ بناء على ما تقدَّم ـ له إرادة ومشيئة خاصّة عند اختيار الفتاة التي يتزوّجها، وقَدَرُ الله لا يُلزِمه باتجاه معيّن في اختياره؛ لأنَّ قدَر الله لا يُعرَف له إلا بعد وقوع الأمر المُراد من الإنسان. واختياره للفتاة التي يريد أن يتزوَّجها قد يُوفَّق فيه وقد لا يوفَّق، تبعًا للعوامل التي يتأثَّر هو بها في هذا الاختيار، ولكنْ إذا تُرِك لهِداية اللهِ أن تأخُذ مَجراها في هذا الاختيار فإنّه يجب أن يُؤْثِرَ الفتاة صاحبة الدين؛ إذ يُنقل عن الرسول ـ صلوات الله عليه ـ قوله:"تُنكَح المرأة لأربع: لمالِها ولحسَبها ولجمالها ولدِينِها، فاظفَرْ بذات الدِّين تَرِبت يداك". (التاج:ج 2 ص 314) . ومعنى ذلك أن الرجل يُقبل على زواج المرأة وهو متأثِّر بأحد هذه العوامل: المال والحسَب والنَّسَب والجمال والصّلاح والتديُّن، فإذا كان لا بُدَّ من التفضيل بين هذه العوامل فليُقدِّم الدين على جميعِها، فإذا وُجد مع الدين عامل آخر أو أكثر فذلك مِن فضل الله، أيْ أن الحديث لا يمنع أن يكون مع الدين مال، أو جمال، أو شرف ونسَب، ولكنّه يرى أن التديُّن في الزواج والزوجة هو مصدر سعادة الزوجين.
هل الزواج مكتوب في السماء، بمعنى أنه قِسْمة ونَصيب؟ أم أنَّه مرهون بإرادة الزوجين؟
الحديث عن مشيئة الله مُمثَّلةً في القضاء والقدَر، ومشيئة الإنسان ممثّلة في حريته وإرادته غير المُقيَّدة ـ هو حديث عن مشكلة الصلة بين الله والإنسان، هل هي صلة تقوم على الجَبْر والإلْزام من جانب الله للإنسان، أم تقوم على الاختيار من الإنسان فتكون له مشيئة فيما يعمل ويُقدِم عليه من أمر؟