وخَلْق الله للإنسان رُوعِيَ فيه أن يكون الإنسان ذا مشيئة وإرادة؛ لأنَّه لم يخلقه مِن مادة فقط، هي الطِّين أولًا ثُمَّ الماء المَهين وهي نُطفة الذَّكَر والأنثى ثانيًا، بل زوَّده بالسمع والبصر كمَنفَذ للإدراك الحسِّيّ والعقلي معًا. والإدراك في الإنسان هو مصدر عقله وحِكمته، وإرادته فمرحلة العقل الأولى هي التفكير.. ومرحلته الثانية هي الموازنة بين ما يجب أن يعمل وما يجب أن يُترك، وترجيح ما ينبغي أن يكون، بينما مرحلته الثالثة والأخيرة هي التصميم والعزم على تنفيذ ما ينبغي أن يكون والتصميم أو العزم هو الإرادة والمَشيئة وعندما يقول القرآن الكريم: (إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) "أيْ مُختلِطة من الذُّكورة والأنوثة" (نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وإِمَّا كَفُورًا) . (الإنسان 2،3) . فإنّه يصور خلقه، وموقفه من الرسالة الإلهيّة وموقفه منها ـ كما تنطِق الآية هنا ـ هو صاحب المشيئة: إمَّا أن يكون شاكِرًا لله فيؤمن بها أو غير شاكر له فيَكفر بها.
فالإنسان هنا مَخلوق له مشيئة وإرادة فيما أرسل الله إليه من هداية على لسان رسول مِن رُسله. ويَجيء أمر الله للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في سورة الكهف: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) . (الكهف: 29) . مؤكِّدًا مشيئة الإنسان في الهداية والكفر.